تعريف القضاء
القضاء في اللغة له عدة معان، والأصح أن كلمة قضى تأتي بمعنى حكم، والقضاء هو الحكم، وهو "إظهار لحكم الله تعالى وإخبار عنه"، وهو أيضًا "إلزام من له الإلزام بحكم الشرع"، وهو "الحكم بين الناس بالحق، والحكم بما أنزل الله عز وجل".
القضاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق
كان القضاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مرتبط بالرقابة الألهية وحراسة الوحي له، كما أنه كان تطبيقا عملياً كاملاً ودقيقاً للآيات القرآنية والسنة النبوية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو القاضي الأول.
وكان يأتي المتقاضون إلي النبي صلى الله عليه وسلم ليقضي بينهم، وإن كان الأمر يقتضي الذهاب إلى مكان حصول الخلاف، فيبعث النبي صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه نيابة عنه ليستكمل التحقيق في القضية، وأما المناطق البعيدة عن المدينة، فقد كان الأمراء الذين يعينهم النبي صلى الله عليه وسلم يقومون بأمر القضاء، واشتهر علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل كولاة يتولون القضاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
كان عهد أبو بكر شبيهاً بعهد النبي صلى الله عليه وسلم فقد اهتم أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالقضاء وكان يقضي بنفسه، وقد ابتكر أسلوبا جديداً وهو فصل القضاء جزئياً فقد أسند منصب القضاء في المدينة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما أنه لم ير حاجة لفصل القضاء عن الولاية في الولايات الأخرى خارج المدينة.
القضاء في عهد عمر بن الخطاب
وفي عهد عمر رضي الله عنه شغلته شئون الدولة العامة، وسياستها العليا، وكانت أنباء جنده في العراق وبلاد الشام تستغرق منه الكثير من الوقت والجهد، وازدادت مصالح الناس في المدينة تعقيدًا وتشابكًا بازدياد سكانها، وكثرة المال الذي يرد عليها، وكان تقدم الفتوح وما تقتضيه من تنظيم لشئون البلاد المفتوحة، يدعوه إلى أن يكتب إلى أمراء جنده بآرائه في هذا التنظيم، لذلك كان لا بد من أن يولي أعوانًا له يقضون مصالح الأفراد، فيما لا تتأثر به مصلحة الدولة.
فقام عمر رضي الله عنه بفصل منصب القضاء عن منصب الوالي وجعل قاضياً ينظر في أمور القضاء فقط وربما جمع له التعليم أو أمور بيت المال وفي بعض الأحيان كان يجمع منصب الوالي والقاضي.
وبذلك أضحى القضاء سلطة مستقلة، وكان هو الذي يعين القضاة، ويعزلهم ويحاكمهم، ويكتب لنوابه باختيار الصالحين للقضاء فيولوهم، ويكتب لقضاته بالتعليمات والآداب.
رسالة عمر بن الخطاب إلى أبو موسى الأشعري
تعد رسالة عمر رضي الله عنه إلى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه حين ولاه القضاء من أشهر وأجل وأعظم كتاب في تاريخ القضاء الإسلامي، أوجز فيه دستور القضاء وبين أسسه وقواعده وشروطه ومحاذيره وصفات القاضي وأعماله وواجباته، يقول عمر رضي الله عنه:
"بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس، سلام عليك! أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، فَافْهَمْ إذَا أُدْلِيَ إلَيْكَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ لَا نَفَاذَ لَهُ، وَآسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِكَ وَعَدْلِكَ وَمَجْلِسِكَ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِكَ، وَلَا يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِكَ. الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَالصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا؛ وَلَا يَمْنَعُكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ أَمْسِ فَرَاجَعْتَ الْيَوْمَ فِيهِ عَقْلَكَ، وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ، أَنْ تَرْجِعَ إلَى الْحَقِّ، فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ، الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا تَلَجْلَجَ فِي صَدْرِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا سُنَّةِ نَبِيِّهِ، ثُمَّ اعْرِفِ الْأَمْثَالَ وَالْأَشْبَاهَ، وَقِسْ الْأُمُورَ بِنَظَائِرِهَا، وَاجْعَلْ لِمَنِ ادَّعَى حَقًّا غَائِبًا أَوْ بَيِّنَةً أَمَدًا يَنْتَهِي إلَيْهِ، فَمَنْ أَحْضَرَ بَيِّنَةً أَخَذْتَ لَهُ بِحَقِّهِ، وَإِلَّا اسْتَحْلَلْتَ الْقَضِيَّةَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَنْفَى لِلشَّكِّ وَأَجْلَى لِلْعَمَى، وَالْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، إلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ، أَوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ، أَوْ ظِنِّينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ نَسَبٍ، فَإِنَّ اللَّهَ عَفَا عَنِ الْأَيْمَانِ وَدَرَأَ بِالْبَيِّنَاتِ. وَإِيَّاكَ وَالْقَلَقَ وَالضَّجَرَ وَالتَّأَفُّفَ بِالْخُصُومِ، فَإِنَّ الْحَقَّ فِي مَوَاطِنِ الْحَقِّ يُعَظِّمُ اللَّهُ بِهِ الْأَجْرَ وَيُحْسِنُ بِهِ الذِّكْرَ، وَالسَّلَامُ".
من مميزات القضاء في عهد عمر
1- كان عمر يستشير ويأمر القضاة أن يستشيروا
2- التأني الشديد في القضاء والبت في الأحكام، وقد كانت القضية ترفع إلى عمر، فربما يتأمل في ذلك شهراً، ويستشير أصحابه.
3- العدل الفذ وهو أمر اشتهر به عمر
4- الحرص على الستر علي الناس
5- تخير القضاء الذين يتصفون بالورع والتقوي والفهم الثاقب وقول الحق والقضاء به، ومن ذلك أن كعب بن سور كان جالساً مع عمر رضي الله عنه فجاءت امرأة، فقالت: يا أمير المؤمنين: ما رأيت رجلاً قط أفضل من زوجي إنه ليبيت ليلة قائماً، ويظل نهاره صائماً في اليوم الحار ما يفطر، فاستغفر لها وأثنى عليها، وقال: لقد أحسنت الثناء علي زوجك، فاستحيت المرأة فقامت راجعة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين، هلا أعنت المرأة على زوجها أن جاءتك تستعديك؟ قال: أو ذاك أرادت؟ قال: نعم فردت، فقال: لا بأس بالحق أن تقوليه، إن هذا زعم أنك جئت تشتكين زوجك، أنه يجتنب فراشك.
قالت: أجل إني امرأة شابة، وإني أتتبع ما يتبع النساء، فأرسل إلى زوجها فجاءه فقال لكعب: اقض بينهما، فإنك فهمت من أمرهما ما لم أفهمه. فقال كعب: أمير المؤمنين أحق أن يقضي بينهما، فقال: عزمت عليك لتقضين بينهما قال: فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن فأقض له بثلاثة أيام ولياليهن، يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة فقال عمر: والله ما رأيك الأول بأعجب من الآخر، اذهب فأنت قاض على أهل البصرة.
أشهر القضاة زمن عمر رضي الله عنه
من أبرز من اشتهر في أيام عمر بن الخطاب من القضاة: زيد بن ثابت الأنصاري.
علي بن أبي طالب كان يكلفه النظر ببعض القضايا
عامر بن مالك بن قيس وشهرته بأبو الدرداء
كعب بن سور الكندي
عبد الله بن مسعود
عبادة بن الصامت في بلاد الشام
وفي مصر فقد كلف عامله عمرو بن العاص باختيار القضاة، ومن بين قضاة مصر قيس بن أبي العاص السهمي، وكعب بن يسار بن ضبة العبسي.

إرسال تعليق