نسبه ومولده
هو محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي ولد سنة (72ه-691م)، بمدينة الطائف لأسرة معروفة فقد كان جده محمد بن الحكم الثقفي من كبار ثقيف كما كان ابن عمه الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق.
نشأته
انتقل محمد بن القاسم مع والده إلى العراق وبالتحديد إلى مدينة البصرة حيث أصبح والياً عليها وذلك أنه في عام 75ه قام عبد الملك بن مروان بتعيين الحجاج بن يوسف الثقفي والياً علي العراق والولايات الشرقية التابعة لها فقام الحجاج بتعيين عمه والياً علي مدينة البصرة.
ثم شيد الحجاج بن يوسف مدينة واسط وقد أصبحت معسكراً لجنوده كما امتلأت هذه المدينة بسكانها الجدد الذين كان من ضمنهم محمد بن القاسم الذي نشأ وعاش في هذه المدينة واختلط هناك بالجنود والقادة فتدرب على الجندية والفروسية، وتعلم فنون الحرب وأساليب القتال حتى أصبح من القادة المعروفين وكان عمره في ذلك الوقت 17 عامًا.
أسباب فتح السند
في عام 88ه خرجت سفينة عربية من جزيرة الياقوت وهي بلاد سيلان ذاهبة باتجاه العراق وكان علي متن السفينة نساء مسلمات مات آباؤهن ولم يكن لهم راعٍ هناك فقررن السفر للعراق.
علم ملك سيلان بأمر هذه السفينة فقرر التقرب من العرب فقام بإرسال الكثير من الهدايا والتحف علي متن هذه السفينة مع النساء المسلمات إلى والي العراق الحجاج بن يوسف وكذلك إلي الخليفة الوليد بن عبد الملك.
وبينما كانت السفينة في طريقها إلى مدينة البصرة مارة بميناء الديبل ببلاد السند، خرج قراصنة من السند واستولوا علي السفينة فقتلوا البعض وأسروا الباقي ولم ينجُ من تلك الغارة إلَّا فئة قليلة وهم الذين حملوا الخبر إلى الحجاج وأخبروه أن مسلمة من بني يربوع صرخت " وا حجاج، وا حجاج"، فطار الخبر للحجاج باستغاثتها، فنادى من وراء الجبال والبحار "لبيك لبيك".
حاول الحجاج استرداد النساء والبحارة بالطرق السلمية فأرسل إلى ملك السند "داهر" يطلب منه الأفراج عن النساء المسلمات ولكن ملك السند اعتذر بحجة أن من فعل ذلك لصوص لايقدر عليهم، فبعث الحجاج حملة بقيادة عبدالله بن نبهان السلمي إلى الديبل فاستشهد هناك، فأرسل الحجاج حملة ثانية بقيادة بديل بن طهفة البجلي فاستشهد أيضاً دون الوصول إلى أمر حاسم، فأقسم الحجاج ليفتحن هذه البلاد وينشر الإسلام في ربوعها، طلب الحجاج من الخليفة أن يقوم بحملة منظمة علي بلاد السند وتعهد الحجاج للخليفة أن يرد إلى خزينة الدولة ضعف ما ينفقه علي هذه الحملة.
قيادة محمد بن القاسم وفتح السند
بدأ الحجاج بتجهيز الجيش بكل ما يحتاج إليه في ميدان القتال، كما أحضر مقاتلين من الشام وضم إليهم مقاتلين من العراق وقام بتعيين ابن عمه محمد بن القاسم قائداً عليهم وأمره بالتوجه إلى شيراز ويقيم بها حتي ينتهي من تجهيز الجيش ووصول المقاتلين.
وتحرك محمد بن القاسم بجيشه، وبرزت مواهبه الفذة في القيادة وإدارة المعارك، فحفر الخنادق ورفع الرايات والأعلام ونصب المنجنيقات، ومن بينها منجنيق يقال له: العروس كان يقوم بتشغيله خمسمائة رجل تقذف منه الصخور إلى داخل الحصون فيدكها دكًّا.
وفي عام 90ه تحرك الجيش وتوجه محمد بن القاسم أولاً إلى إقليم مكران وكان هذا الإقليم هو الوحيد الذي تم فتحه في بلاد السند قبل هذه الحملة، ثم توجه بعد ذلك إلى فنزبور ثم أرمائيل.
بعد ذلك وصل محمد بن القاسم إلى مدينة الديبل وحاصرها وأمر بقذفها بالحجارة وهجم جيش المسلمين علي المدينة واستطاعوا دخول المدينة وفتحها وقد هرب والي المدينة وسارع أهلها إلى طلب الأمان من القائد، ثم ذهب محمد بن القاسم إلى السجن الذي ضمَّ الأسرى المُسلمين الذين قُبض عليهم في الغارة البحريَّة، فحرَّرهم ووضع بدلًا عنهم مجموعة من قراصنة الديبُل.
وقد استمرت فتوحات محمد بن القاسم لمدة سنتين، وفي عام 92ه التقي جيش المسلمين بجيش الملك داهر الذي كان يقوده بنفسه، وانتصر المسلمين عليهم بعد معركة دامية وقتل الملك داهر في هذه المعركة، واستمر محمد بن القاسم في فتوحاته لبقية أجزاء بلاد السند حتي عام 96ه فاستولى على حصن راوَدْ، ثم برهماناباذ، والرور وبهرور، ثم اجتاز نهر بَيَاس وعبر إلى إقليم المُلْتَان، فاستولى عليه بعد قتال شديد، وغنم كميات كبيرة من الذهب. وكان لا يمرُّ بمدينة إلَّا فتحها صلحًا أو عَنوة، وقد وصلت فتوحاته إلى حدود كشمير، وقد أسلم عدد كبير من الزط وهم بدو الهنود وانضم عدداً منهم إلى جيش محمد بن القاسم وكان لا يمرُّ على مدينة إلَّا فتحها وهدم معابد الوثنية والبوذية بها، وأقام شعائر الإسلام، وأسكنها المسلمين، وبنى المساجد حتى غَيَّر خريطة البلاد تمامًا، وصبغها بصبغة إسلامية تامَّة.
صفات محمد بن القاسم
بدت على محمد بن القاسم أمارات النجابة والشجاعة وحسن التدبير في الحرب منذ نعومة أظفاره؛ وكان محمد بن القاسم راجح الميزان في التفكير والتدبير، وفي العدل والكرم، إذا قورن بكثير من الأبطال، وهم لا يكادون يبلغون مداه في الفروسية والبطولة، ولقد شهد له بذلك الأصدقاء والأعداء، وقد سحر الهنود بعدالته وسماحته، فتعلقوا به تعلقاً شديداً.
وكان يجنح إلى الصلح والسلم ما وسعه ذلك، وقد أوصاه بذلك الحجاج بن يوسف الثقفي فقال له: "إذا أردت أن تحتفظ بالبلاد فكن رحيماً بالناس، ولتكن سخيًّا في معاملة من أحسنوا إليك، وحاول أن تفهم عدوك، وكن شفوقاً مع من يعارضك، وأفضل ما أوصيك به أن يعرف الناس شجاعتك، وأنك لا تخاف الحرب والقتال".
وكان يتصف بالتواضع الرفيع، فكان في جيشه من يكبر أباه سنّاً وقدراً، فلم تجنح نفسه معهم إلى الزهو والمباهاة، ولكنه لم يكن يقطع أمراً إلا بمشورتهم.
وفاة محمد بن القاسم
في عام 95ه توفي الحجاج بن يوسف ثم بعد عدة أشهر توفي الخليفة الوليد بن عبد الملك وتولي بعده أخوه سليمان بن عبد الملك الخلافة، وكان بين سليمان والحجاج عداوة قديمة فلم يكن لمحمد بن القاسم الثقفي من ذنب لدى الخليفة سليمان بن عبد الملك إلا أنه ابن عم غريمه الحجاج بن يوسف الثقفي.
أرسل سليمان بن عبد الملك إلى محمد بن القاسم يأمره بالتوجه إلى العراق فرضخ محمد بن القاسم لقضاء الله واستعد للسفر وخرجت الجموع الحاشدة لتوديعه ولم يكن العرب فقط بل خرج أهل السند من المسلمين، وحتى البرهميين والبوذيين، كانون يذرفون الدموع الغزيرة، ويرجونه أن يبقى في بلاد السند، وسوف يقفون خلفه إذا دق الخطر بابه، ولكن نفسه الأبية رفضت مخالفة أمر الخليفة.
وصل محمد بن القاسم إلى العراق فقام والي العراق صالح بن عبد الرحمن بتقييده بالسلاسل وأرسله إلى سجن مدينة واسط بسبب عداوته للحجاج، وهناك عذَّبه شهورًا بشتَّى أنواع التعذيب، حتي توفي في عام (96ه-715م).
مات محمد بن القاسم الثقفي ولم يبلغ الرابعة والعشرين من عمره بعد أن فتح الفتوح وقاد الجيوش وضم الباكستان العظيمة إلى رقعة الإسلام، فاستضاء بجهاده وبمن جاء بعده مائة مليون مسلم.

إرسال تعليق