تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

سورة النجم وسجود المشركين خلف النبي صلى الله عليه وسلم

مقدمة

رغم تسمية العام العاشر من البعثة بعام الحزن إلا أن الله سبحانه أراد برحمته أن يضيء أنوارًا تُطمئن قلوب المؤمنين، وتلفت أنظارهم إلى رحمته سبحانه، وتجعلهم يلهجون بالشكر والثناء له، وكان من أعظم هذه الأنوار بعد حادث الإسراء والمعراج.
وقد حدثت هذه القصة في العام العاشر من البعثة وذلك لكون السورة تتحدث عن معراج النبي صلى الله عليه وسلم.

مقاصد سورة النجم

1- عُنيت بالرسالة وتوكيدها، وتحقيق أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن الله تعالى، وأنه منزَّه عما ادعوه. وإثبات أن القرآن وحي من عند الله بواسطة جبريل عليه السلام.
2- تحدثت عن المعراج، وما رآه عليه الصلاة والسلام من آيات ربه الكبرى، وعجائبه العظمى في الملكوت الأعلى، عند سدرة المنتهى، التي عندها جنة المأوى.
3- نعت السورة على المشركين عبادة غير الله من الأوثان والأصنام وغيرها من المخلوقات، التي لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر.
4- أبطلت قياسهم عالم الغيب على عالم الشهادة، وأن ذلك ضلال في الرأي، قد جاءهم بضده الهدى من الله.
5- توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم للإعراض عن الذين تولوا مدبرين عن دعوته من المشركين الضالين، وإشعاره بحدود وظيفته، وأنه ليس مسؤولاً عن تحويلهم من الكفر إلى الإيمان.
6- أخبرت عن الحساب والجزاء يوم القيامة، وبيَّنت أن الإنسان لا يحمل وزر غيره، {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى} (النجم:39-41).
7- تحدثت عن أن الله هو الذي يحيى ويميت، وأنه إليه المنتهى والمصير، وأنه وحده هو الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى.
8- بيَّنت أن مذهب الشرك مذهب باطل ساقط، وأن الدعوة الإسلامية استمرار لما جاء به المرسلون السابقون، إيماناً بالله، ومسؤولية في الحياة الدنيا، وجزاء يوم الدين، وتحذيراً من مُعَجِّلِ العقاب، كما حصل للمكذبين الأولين.
9- ذكرت خاتمة السورة أصنافاً من العذاب لأمم خالفت أنبياءها وآذتهم، فأنزل الله بهم ما يستحقون.

سجود المشركين خلف النبي صلى الله عليه وسلم

رأي النبي صلى الله عليه وسلم سخرية المشركين وعدم تصديقهم لرحلة الإسراء والمعراج فقرر ولأول مرة أن يقرأ سورة كاملة من القرآن الكريم علي أسماع المسلمين والمشركين وقد اختار البيت الحرام المكان الذي سيقرأ فيه لأنه أكثر الأماكن ازدحاماً بالناس.
قال ابن عطية: "سبب نزولها أن المشركين قالوا: إن محمداً يتقول القرآن ويختلق أقواله، فنزلت السورة في ذلك" أي نزلت للرد على مقالة المشركين.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة (والنجم).

قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى}[النجم: 1-12].
وقد أُخذ المشركون بروعة الآيات والكلمات فلم يُحَرِّكوا ساكنًا، ونزلت الآيات نورًا يفتح قلوبهم، وخرست الألسنة، وتسمَّرت الأقدام، وتعلَّقت العيون برسول الله صلى الله عليه وسلم، والسورة تشرح للمشركين قصته صلى الله عليه وسلم.
ثم أكمل النبي صلى الله عليه وسلم القراءة يحذرهم من اتباع آلهة لا قيمة لها فقال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى* إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى}[النجم: 19-23].

ثم كشف عن خبايا المشركين وتفضحهم أمام أنفسهم، وتوضِّح جريمتهم الشنيعة يوم أشركوا بالله قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى* أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى * أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى}[النجم: 33-41].

ثم أكمل النبي صلى الله عليه وسلم قراءته وهي تشرح صفة الله سبحانه وتعالى الذي نعبده كما توضح عاقبة الأمم السابقة الذين كذبوا الرسل قال تعالى: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى* فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَي}[النجم: 42-55].

ثم قال تعالى: {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى * أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا للهِ وَاعْبُدُوا}[النجم: 56-62].
وهنا يخبرهم بأن هذا نذير لهم، كما أن الآيات أظهرت عجزهم الفاضح أمام إلهٍ عظيم بيده كلُّ شيء، وقادر على إهلاك أمم عظيمة كانت أشدَّ منهم قوَّة، وأعظم بأسًا.
وفي نهاية السورة سجد النبي صلى الله عليه وسلم وسجد خلفه المؤمنون ثم سجد خلفهم المشركون بعد أن علموا أن المخرج الوحيد من نزول عقاب الله الباطش بهم أن يسجدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعلَّ هذا يعصمهم من العذاب.
قال ابن عباس رضي الله عنه: «سَجَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ».
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في رواية أخرى فقال: «أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ: وَالنَّجْمِ، فَسَجَدَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ إِلَّا رَجُلًا رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فَسَجَدَ عَلَيْهِ، فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا، وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ».

رد فعل المشركين بعد سجودهم

قام المشركون من سجودهم أشدَّ كفرًا وعنادًا بل افتروا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب.
كان سجود المشركين بهذه الصورة الجماعية نورًا عظيمًا باهرًا من أنوار العام العاشر من البعثة؛ رفع معنويات المسلمين، ودعَّم موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحرج المشركين إحراجًا بالغًا، وعَرَّف بالإسلام والقرآن أعظم تعريف، ولا شكَّ أن كل ذلك أورث سعادة في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

دعاء النبي صلى الله عليه وسلم علي المشركين

كان النبي صلى الله عليه وسلم صابراً على قريش يعاملهم بالرفق والرحمة وكما رأينا فأنه رفض الدعاء على أهل الطائف عندما تعرضوا له بالأذي، وفي مكة عندما ألقى عليه المشركين سلا الجزور دعا عليهم ولكن الآن تغير الوضع فقد زادت قريش من تجبرها وصارت تفتن الناس عن دينهم.
عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللهِ ابن مسعود رَجُلٌ فَقَالَ: تَرَكْتُ فِي الْمَسْجِدِ رَجُلًا يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ يُفَسِّرُ هَذِهِ الآيَةَ: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ}[الدخان: 10]، قَالَ: يَأْتِي النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُخَانٌ، فَيَأْخُذُ بِأَنْفَاسِهِمْ حَتَّى يَأْخُذَهُمْ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، فقال عبد الله: مَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ: اللهُ أَعْلَمُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا، أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اسْتَعْصَتْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ». فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الْجَهْدِ، وَحَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ (قيل هو أبو سفيان) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اسْتَغْفِرِ اللهَ لِمُضَرَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا. فَقَالَ: «لِمُضَرَ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ». قَالَ: فَدَعَا اللهَ لَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ}[الدخان: 15] قَالَ: فَمُطِرُوا، فَلَمَّا أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ، قَالَ: عَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}[الدخان: 10، 11] {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ}[الدخان: 16] قَالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ.
ويلفت النظر في هذه القصة مدى قناعة المشركين بصدق محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهم لم يُفَسِّروا القحط الذي أصابهم بأيٍّ من الأسباب المادية المعتادة، بل ربطوها مباشرة بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم، ومع ذلك لم تتحرَّك قلوبهم للإيمان.

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب