عودة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس
عاد النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام إلى بيت المقدس مرة ثانية حيث صلى النبي هناك بالأنبياء وقيل أن الصلاة كانت قبل العروج، والذي يدعونا إلى توقُّع أن تكون الصلاة بعد رحلة السماء، وليس قبلها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرف موسى وعيسى وإبراهيم عليهم السلام؛
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ".. وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ، جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عليه السلام قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ عليه السلام قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ (يَعْنِي نَفْسَهُ) فَحَانَتِ الصَّلاَةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلاَةِ قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَبَدَأَنِي بِالسَّلاَمِ".
وهذه الإمامة هي شرف وتكريم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ خاصة أنهم يسبقونه جميعًا في النبوة، كما أن جلَّهم أكبر منه سنًّا، فكان هذا دليلاً على فضل نبينا صلى الله عليه وسلم ومكانته.
وكما ذكرنا من قبل أن النبي صلى الله عليه وسلم عرضت له النار من بعيد، فقد أتى اللهُ تعالى بمالك خازن النار لكي يتعرَّف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويُسَلِّم عليه، وهذا من تمام التشريف لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
في الطريق إلى مكة
أثناء عودة النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة حدثت معه أربعة مواقف جعله الله تعالى برهانًا لرسوله الصادق صلى الله عليه وسلم لكي يثبت حجته أمام الكافرين ويؤكد لهم رحلته.
فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم أثناء عودته قافلة تجارية لقريش عائدة إلى مكة عن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثُمَّ انْصَرَفَ بِي فَمَرَرْنَا بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا" وكانت الأربعة مواقف هي:
1- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ".. قَدْ أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ فَجَمَعَهُ فُلاَنٌ"، ذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم فقدوا بعير وذكر لهم اسم الشخص الذي وجد البعير.
2- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا صَوْتُ مُحَمَّدٍ"، وهنا ألقي النبي صلى الله عليه وسلم التحية وهو علي ظهر البراق فعرفوا صوته.
3- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ".. وَإِنَّ مَسِيرَهُمْ يَنْزِلُونَ بِكَذَا ثُمَّ بِكَذَا وَيَأْتُونَكُمْ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا"، وهنا ذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم طريق عودة القافلة وموعد وصولها إما حساباً أو وحياً.
4- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ".. يَقْدُمُهُمْ جَمَلٌ آدَمُ عَلَيْهِ مِسْحٌ أَسْوَدُ وَغِرَارَتَانِ سَوْدَاوَانِ، وهنا وصف لهم النبي صلى الله عليه وسلم الجمل الأول في القافلة.
وصول النبي إلى مكة
وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة وكان يملأ قلبه فرحة لا توصف فقد شاهد من المشاهد السعيدة والمفرحة؛ ولكنه أيضاً كان يشعر بالقلق لأنه يجب أن يحكي للمشركين قصة الإسراء لكي يُصَدِّقوا بنبوته، ويؤمنوا برسالته، وهو يعلم أن الناس سيُكَذِّبونه لا محالة؛ فالطريق من مكة إلى بيت المقدس يحتاج شهرًا كاملاً، فكان صلى الله عليه وسلم يحمل همَّ هذا التكذيب.
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِي، وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ، فَظِعْتُ بِأَمْرِي، وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِيَّ". فَقَعَدَ مُعْتَزِلاً حَزِينًا، قَالَ: فَمَرَّ به عَدُوُّ الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ". قال: ما هو؟ قال: "إِنَّهُ أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ". قال: إلى أين؟ قال: "إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟" قال: ثم أصبحتَ بين ظَهْرَانَيْنَا؟ قال: "نَعَمْ". قَالَ: فَلَمْ يُرِ أَنَّهُ يُكَذِّبُهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَجْحَدَهُ الْحَدِيثَ إِنْ دَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ تُحَدِّثُهُمْ مَا حَدَّثْتَنِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ". فَقَالَ: هَيَّا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ حَتَّى قَالَ: فَانْتَفَضَتْ إِلَيْهِ الْمَجَالِسُ، وَجَاءُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا، قَالَ: حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثْتَنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ". قالوا: إلى أين؟ قال: "إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ". قالوا: ثم أصبحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ قال: "نَعَمْ". قَالَ: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ، وَمِنْ بَيْنِ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، مُتَعَجِّبًا لِلكَذِبِ زَعَمَ، قَالُوا: وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ؟ وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَرَأَى الْمَسْجِدَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ". قَالَ: "فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عِقَالٍ أَوْ عُقَيْلٍ فَنَعَتُّهُ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ". قَالَ: "وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ". قَالَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَ".
ورغم هذا التكذيب من المشركين فقد كان هناك من صدق النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة وسارع إليه وهو أبوبكر الصديق رضي الله عنه وقيل أنه سمي صديقاً بسبب مسارعته لتصديق رحلة الإسراء والمعراج.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَأَتَانِي أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ كُنْتَ اللَّيْلَةَ فَقَدِ الْتَمَسْتُكَ فِي مَكَانِكَ. فَقَالَ عَلِمْتَ أَنِّي أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ اللَّيْلَةَ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ مَسِيرَةَ شَهْرٍ فَصِفْهُ لِي. قَالَ: فَفُتِحَ لِي صِرَاطٌ كَأَنِّي أَنْظُرُ فِيهِ؛ لاَ يَسَلْنِي عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ أَنْبَأْتُهُ عَنْهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ. فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: انْظُرُوا إِلَى ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ اللَّيْلَةَ". قال: فقال: "إِنَّ مِنْ آيَةِ مَا أَقُولُ لَكُمْ أَنِّي مَرَرْتُ بِعِيرٍ لَكُمْ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا قَدْ أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ فَجَمَعَهُ فُلاَنٌ، وَإِنَّ مَسِيرَهُمْ يَنْزِلُونَ بِكَذَا ثُمَّ بِكَذَا، وَيَأْتُونَكُمْ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَقْدُمُهُمْ جَمَلٌ آدَمُ عَلَيْهِ مِسْحٌ أَسْوَدُ وَغِرَارَتَانِ سَوْدَاوَانِ". فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ أَشْرَفَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ حَتَّى كَانَ قَرِيبٌ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ حَتَّى أَقْبَلَتِ الْعِيرُ يَقْدُمُهُمْ ذَلِكَ الْجَمَلُ الَّذِي وَصَفَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم".
ونري هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بما رأي في طريق عودته إلى مكة فأخبرهم عن البعير الذي يقود القافلة وعن البعير الضال ورغم ذلك فقد كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم برحلة المعراج فهي للمؤمنين فقط، ولن يؤمن بها ويُصَدِّقها إلا مَنْ آمن بقدرة الله سبحانه، وتيقَّن من صدق الرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ومن ثَمَّ فلا معنى للحديث عنها مع أولئك المشركين الذين لا يؤمنون بالله أصلاً ولا برسوله صلى الله عليه وسلم.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى المسجد الأقصى أَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَارْتَدَّ نَاسٌ مِمَّنْ كَانَ آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَسَعَوْا بِذَلِكَ إِلَى أَبِي بكر رضي الله عنه، فَقَالُوا: هَلْ لَكَ إِلَى صَاحِبِكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ. قَالُوا: أَوَ تُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لأَصُدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ؛ أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ. فَلِذَلِكَ سُمَيَّ أبو بكر الصديق".
موقف أهل مكة من رحلة الإسراء والمعراج
انقسم الناس في مكة تجاه هذه المعجزة الظاهرة إلى ثلاثة أقسام:
1- قسم الكفار الذين ازدادوا كفراً بعد سمع تفاصيل الرحلة وبعد أن رؤية الآيات الباهرات، فزادت المعجزة الجديدة من حقدهم وحسدهم، واستخدموا الآية العظيمة في تنفير الناس وإبعادهم عن دين الله وكان يقودهم أبو جهل.
2- أما هؤلاء فهم قلة كانوا من المسلمين ثم ارتدوا بعد إيمانهم كفاراً ويبدو أنهم كانوا قلة ولو كانوا كثرة لأحدثوا هزَّة في مكة، وهذا لم يحدث، كما أن الكفار لم يذكروا أمرهم، ولم يُعَيِّروا المسلمين بهم، وأنهم أيضاً حديثي الإسلام ولذلك نحن لا نعرف أسماء أحدٍ منهم، ولو كانوا من القدامى لاشتهروا وعُرِفوا.
3- قسم المؤمنين الذين ازدادوا إيمانًا برؤية هذه المعجزة الباهرة، وكان على رأسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه بموقفه الشهير.
إرسال تعليق