مقدمة
خرج النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من بني هاشم وبني المطلب من الشعب بعد حصار دام ثلاث سنوات وكان ذلك في المحرم من العام العاشر للبعثة، وبعد ذلك بوقت قصير والدعوة في أحرج أوقاتها توفي أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان هو السند الاجتماعي والسياسي للنبي صلى الله عليه وسلم وكان يحميه من أذي المشركين ويمنعهم من التعرض له، وقد طلب كفار مكة أكثر من مرة من أبو طالب أن يسلم لهم ابن أخيه فيقتلوه كما طلبوا منه أن يتخلى عن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم وحمايته ولكن أبو طالب كان يرفض ذلك رغم أنه كان علي دين قريش ومات عليه.
وفاة أبو طالب
رغم حماية أبو طالب للنبي صلى الله عليه ودفاعه عنه وعن الإسلام إلا أنه مات كافراً وقد أسلم اثنين من أبنائه وهم علي وجعفر وأسلمت زوجته فاطمة بنت أسد بن هاشم.
ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمه أبو طالب قبل وفاته وكانت هذه المرة الأخيرة حيث توفي أبو طالب بعدها مباشرة، وكان ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم هذه المرة ليدعوه إلى الإسلام ولينقذه من النار.
وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت عمه ولكنه وجد هناك أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية.
عن سعيد بن المسيب عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ: «أَيْ عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ». فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «وَاللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ». فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 113].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمِّهِ: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ. يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ. لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56].
ولكن رغم موته كافراً إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع له فعَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ لِلنَّبِيِّ: مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ؟ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ. قَالَ: "هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَار، وَلَوْلاَ أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ".
وعن العباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أَهْوَنُ أهل النَّار عذابا أبو طالب، وهو مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ، يغلي منهما دماغه).
قال ابن حجر: "الشفاعة لأبي طالب معدودة في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم".
وقد مات أبو جهل يوم بدر كافراً أما عبدالله بن أبي أمية فقد أسلم يوم فتح مكة وعبدالله بن أبي أمية تربطه صلة قرابة بأبو جهل فهو ابن عمه كما أن أبو طالب هو خال عبد الله بن أبي أمية وقد مات شهيداً في الطائف بين يدي ابن خاله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد اختلف في تحديد وقت وفاة أبو طالب قيل في شهر رجب من العام العاشر للبعثة وقيل في شوال من نفس السنة بعد وفاة السيدة خديجة بخمسة وثلاثين يوماً وقد أطلق المؤرخون علي هذا العام عام الحزن وذلك لوفاة اثنين من أكبر المساندين للنبي صلى الله عليه وسلم وهم عمه أبو طالب وزوجته السيدة خديجة رضي الله عنها.
بعد وفاة أبو طالب
بعد وفاة أبو طالب حدث تغير كبير في مكة ورغم أن أهل مكة كانوا يتعرضون للنبي صلى الله عليه وسلم بالإيذاء إلا أنه بعد وفاة أبو طالب تجرأ الكفار على النبي صلى الله عليه وسلم تجرُّؤًا غير مسبوق، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ".
ومن ذلك أنه اعترض سفيه من سفهاء قريش طريق رسول الله فنثر على رأسه التراب، فدخل بيته والتراب على رأسه الشريف، فقامت إليه إحدى بناته، وجعلت تغسل التراب وهي تبكي ورسول الله يقول لها: "لاَ تَبْكِي يَا بُنَيَّةُ، فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكَ".
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالأَمْسِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلاَ جَزُورِ بَنِي فُلاَنٍ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ وقيل أنه عقبة بن أبي معيط، فَأَخَذَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ، لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ، وَالنَّبِيُّ سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ، فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ فَجَاءَتْ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ، فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلاَتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلاَثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلاَثًا ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ" ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمْ الضَّحْكُ، وَخَافُوا دَعْوَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ"، وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ وفي رواية أخرى أنه عمارة بن الوليد، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ.
أبو لهب بعد وفاة أبو طالب
ذكر أهل السير قصة نصرة أبو لهب للنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أبو طالب وملخص هذه القصة: أنه لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو طَالب، وَخَدِيجَة، اجْتمع عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مصيبتان، وَلزِمَ بَيْتَهُ، وَأَقَلَّ الْخُرُوجَ، وَنَالَتْ مِنْهُ قُرَيْشٌ مَا لَمْ تَكُنْ تَنَالُ، وَلَا تَطْمَعُ فِيهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا لَهَبٍ، فَجَاءَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، امْضِ لِمَا أَرَدْتَ، وَمَا كُنْتَ صَانِعًا إِذْ كَانَ أَبُو طَالِبٍ حَيًّا فَاصْنَعْهُ، لَا وَاللَّاتِ، لَا يُوصَلُ إِلَيْكَ حَتَّى أَمُوتَ.
وحدث أن سَبّ ابْنُ الْغَيْطَلَةِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ أَبُو لَهَبٍ، فَنَالَ مِنْهُ، فَوَلَّى يَصِيحُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، صَبَأَ أَبُو عُتْبَةَ، فَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ حَتَّى وَقَفُوا عَلَى أَبِي لَهَبٍ، فَقَالَ: مَا فَارَقْتُ دِينَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلَكِنِّي أَمْنَعُ ابْنَ أَخِي أَنْ يُضَامَ حَتَّى يَمْضِيَ لما يُرِيد، فَقَالُوا: لقد أَحْسَنْتَ، وَأَجْمَلْتَ، وَوَصَلْتَ الرَّحِمَ.
فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ أَيَّامًا يَأْتِي وَيَذْهَبُ، لَا يَعْرِضُ لَهُ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وهابوا أَبَا لَهب، إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَأَبُو جَهْلٍ إِلَى أَبِي لَهَبٍ، فَقَالَا لَهُ: أَخْبَرَكَ ابْنُ أَخِيكَ أَيْنَ مَدْخَلُ أَبِيكَ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو لَهَبٍ: يَا مُحَمَّدُ، أَيْنَ مَدْخَلُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ قَالَ: مَعَ قومه، فَخرج إِلَيْهَا، فَقَالَ: قَدْ سَأَلْتُهُ، فَقَالَ: مَعَ قَوْمِهِ، فَقَالَا: يزْعم أَنه فِي النَّار، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَيَدْخُلُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ النَّارَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَنْ مَاتَ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ دَخَلَ النَّارَ، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: وَاللَّهِ لَا بَرِحْتُ لَكَ إِلَّا عَدُوًّا أَبَدًا، وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ فِي النَّارِ، وَاشْتَدَّ عِنْدَ ذَلِكَ أَبُو لَهَبٍ، وَسَائِرُ قُرَيْشٍ عَلَيْهِ.

إرسال تعليق