مقدمة
أجمعت قريش علي محاربة النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته فكانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم قد كشفت واقعهم الجاهلي، وعابت آلهتهم ولذلك وقفت قريش لها بالمرصاد، وقد تنوعت الوسائل والأساليب التي استخدمتها قريش في محاربة الدعوة، ورأت قريش أنَّه لابد من مواجهة هذه الدعوة التي جاءت بتسفيه أحلامهم وسب آلهتهم والقضاء على زعامتهم ، فقرروا أن لا يألوا جهداً في محاربة الإسلام وإيذاء الداخلين فيه ، والحد من انتشاره.
السخرية والاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم ودعوته
كانت السخرية والاستهزاء إحدى الوسائل التي استخدمتها المشركين للقضاء على الدعوة، وقد رموا النبي صلى الله عليه وسلم بشتي التهم والأوصاف وذلك لصد الناس عنه وتخذيل المؤمنين.
فكانوا يتهمونه بالكذب والسحر {وعجبوا أن جاءهُم منذر منهم وقال الكَافرون هذَا ساحِر كَذاب} (ص:4).
وكانوا يتهمونه بالجنون {وقالوا يا أَيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} (الحجر:6).
وكانوا يسخرون من جلساء النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون {أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا } (الأنعام 53).
ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش ، وكان ذا سن فيهم ، وقد حضر الموسم فقال لهم : يا معشر قريش ، إنه قد حضر هذا الموسم ، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ، ويرد قولكم بعضه بعضا ؛ قالوا : فأنت يا أبا عبد شمس ، فقل وأقم لنا رأيا نقول به ، قال : بل أنتم فقولوا أسمع ؛ قالوا : نقول كاهن ، قال : لا والله ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه ؛ قالوا : فنقول : مجنون ، قال : ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما هو بخنقه ، ولا تخالجه ، ولا وسوسته ، قالوا : فنقول : شاعر؛ قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر؛ قالوا: فنقول ساحر؛ قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحره، فما هو بنفثهم ولا عقدهم؛ قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره.
تشويه تعاليم الإسلام
كان من الوسائل التي استخدمتها قريش في محاربة الدعوة وهي إثارة الشكوك والشبهات حولها فقالوا عن القرآن: { إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون }(الفرقان 4 )، { وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرَة وأصيلا } (الفرقان:5) ، وقالوا { إنما يعلمه بشر } ( النحل 103).
وقالوا {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون * أوآباؤنا الأولون }(الصافات 16-17).
محاربتهم للقرآن الكريم
كانت قريش تصد الناس عن سماع القرآن وكانوا يحذرون كل من يأتي مكة من الجلوس مع النبي أو الاستماع إلى كلامه، وكانوا يقولون عنه أساطير الأولين، حتي أن النضر بن الحارث قال مرة لقريش: يا معشر قريش والله لقد نزل بكم أمر عظيم ما أوتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر ثم عدد لهم ما يقولونه عنه وردَّ عليهم فقال: ولا هو بمجنون ولا بشاعر .
ثم ذهب إلى الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس وغيرهم، فكان كلَّما جلس الرسول صلى الله عليه وسلم مجلساً للتذكير بالله، جاء بعده النضر وقال لهم: والله ما محمد بأحسن حديثاً مني، ثم أخذ يحدثهم عن ملوك فارس وخرافات رستم و أسفندبار، ويقول بماذا محمد أحسن حديثاً مني؟.
المجادلة والتعجيز
بعد أن فشلت محاولات المشركين السابقة وأثبت النبي صلى الله عليه وسلم صحة دعوته، قرروا استخدام أسلوب التعجيز، فكانوا يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم الآيات والأدلة علي صدق نبوته، ولم يكن طلبهم هذا التأكد من صدقه عليه الصلاة والسلام، وإنما مجرد التعنت والتعجيز: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً * أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه }( الإسراء 90- 93).
ولم يجبهم الله سبحانه وتعالى إلى طلبهم لأن سنته سبحانه أنه إذا طلب قوم الآيات فأجيبوا، ثم لم يؤمنوا بعدها عذَّبهم الله عذاب الاستئصال، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشا قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ادعُ لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك، قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم، قال فدعاه: فأتاه جبريل فقال: إن ربك عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة، فقال: بل باب التوبة والرحمة، فأنزل الله تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا } ( الإسراء 59) .
وقال جل وعلا: {وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون } (الأنعام 8).
----------------------------------------------
* المصادر
- السيرة النبوية لابن هشام
- السيرة النبوية لابن كثير
- السيرة النبوية للصلابي

إرسال تعليق