استمرت الدعوة السرية ثلاث سنوات كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيها المقربين منه وعائلته حتي ازداد عددهم، وقد أسلم منهم الرجال والنساء، العبيد والسادة، الكبير والصغير، وأيضاً كانوا من قبائل مختلفة، وقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم مقراً للدعوة وتعليم المسلمين أمور دينهم.
مرحلة الجهر بالدعوة
بعد ازدياد أعداد المسلمين في مكة وأيضاً انتشار أمر الدعوة فأصبحت كل البيوت في مكة تتحدث عن هذا الأمر، أمر الله سبحانه وتعالى نبيه أن يجهر بالدعوة وذلك بعد نزول قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، وقد انقسمت مرحلة الجهر بالدعوة إلى قسمين وهم:
أولاً: دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لقومه بني هاشم
وقد بدأ صلى الله عليه وسلم أولاً بدعوة أعمامه وقومه أولاً لأنه بذلك سيكون في حمية قبلية تدافع عنه وليعرف رأيهم هل هم معه أم عليه.
تحرك رسول الله ودعا الأقربين إلى طعام وكان عددهم خمسة وأربعين من أهله وعشيرته، وقبل أن يتكلم رسول الله ويجهر ويصرح لهم بأمر دعوته وقف أبو لهب وقال: "هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك، فتكلم ودع الصباة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة فما رأيت أحدًا جاء على بني أبيه بشرٍّ مما جئت به".
وهذا يعني أن أبا لهب وقريش كانوا يعلمون بأمر الإسلام، ولكن لم يعترض أحد من قريش ظنناً منهم أن هذا لا يعدو أن يكون مثل أفعال بعض السابقين الذين تنصروا أو اتخذوا الحنيفية دينًا.
وبعد الذي قاله أبو لهب سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يدعُ الناس، ولم يدخل في جدل مع أبي لهب، فالجو مشحون، والخلاف قريب، وليس من الحكمة تبليغ الدعوة في مثل هذه الأحوال،.
جهز النبي صلى الله عليه وسلم موعداً آخر وجمع أهله وعشيرته مرة ثانية على الطعام، وفي هذا المرة بادر الرسول بالحديث فقال: "الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ، وَأُؤْمِنُ بِهِ وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ" ثم قال: "إِنَّ الرَّائِدَ لاَ يَكْذِبُ أَهْلَهُ، وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً، وَإِلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَاللَّهِ لَتَمُوتُنَّ كَمَا تَنَامُونَ، وَلَتُبْعَثُنَّ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ، وَلَتُحَاسَبُنَّ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَإِنَّهَا الْجَنَّةُ أَبَدًا أَوِ النَّارُ أَبَدًا". وكان لقوم النبي صلى الله عليه وسلم موقفين:
1- الأول وهو موقف أبو طالب عم النبي وكان موقفه هو دعم النبي ونصرته وقد قام فقال: "ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامضِ لما أُمرت به، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب".
2- موقف أبي لهب وهو الرافض للدعوة فقد قال: هذه والله السوءة، خذوا على يده قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب: "والله لنمنعه ما بقينا".
ثانياً: دعوة قريش كلها
ومع الأمر الإلهي: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ} [الحجر: 94] وبعد أن اطمئن النبي صلى الله عليه وسلم أن قومه معه، تحرك صلى الله عليه وسلم لدعوة قريش كلها فصعد جبل الصفا فجعل ينادي: "يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ، يَا بَنِي هَاشِم كل بطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما الأمر، فقال: "أَرَأَيْتُكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغْيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟" قالوا: نَعَمْ؛ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلاَّ صِدْقًا. فقال: "فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيد". فقال أبو لهب: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فنزل قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1].
وكان مما قاله أيضاً: فنادى الرسول صلى الله عليه وسلم قريشًا، وقال: (يا بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم وبني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئًا إلا أن لكم رحمًا سأَبُلٌّهَا بِبِلالِهَا (أي: سَأصِلُها)).
موقف قريش من الدعوة
كما ذكرنا أن قريش عندما علمت بالدعوة في المرحلة السرية لم تعترض عليها لأنهم ظنوا أن هذا لا يعدو أن يكون مثل أفعال بعض السابقين الذين تنصروا أو اتخذوا الحنيفية دينًا، وهذا أمر طبيعي أن أهل الباطل لا يمانعون أن تعبد ما تشاء في بيتك، طالما أن ذلك دونما تدخلٍ منك في أمر المجتمع، أما أن يجمع النبي صلى الله عليه وسلم الناس ويبدأ في دعوتهم إلى ما هو عليه، ثم يسفّه ما يعبدون من دون الله، ثم يُحكّم الله الذي يعبده في أمورهم، فهذا ما يرفضه أهل الباطل من قريش.
وقد لاقى رسول الله صلى الله عليه وسلم جراء موقفه هذا شدة وبأساً من المشركين، الذين رأوا في دعوته خطراً يهدد ما هم عليه، فتكالبوا عليه لصده عن دعوته، وأعلنوا جهاراً الوقوف في مواجهته، آملين الإجهاز على الحق الذي جاء به، ومضى صلى الله عليه وسلم في طريقه يدعو إلى الله متلطفاً في عرض رسالة الإسلام، وكاشفاً النقاب عن مخازي الوثنية، ومسفهاً أحلام المشركين.
----------------------------------------------
* المصادر
- السيرة النبوية لابن كثير
- السيرة النبوية للصلابي

إرسال تعليق