مقدمة
كان المثني بن حارثة الشيباني بعد إسلامه يغير هو ورجال من قومه علي أطراف العراق، فبلغ ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه فسأل عن المثنى، فقيل له: "هذا رجل غير خامل الذكر، ولا مجهول النسب، ولا ذليل العماد"، ولم يلبث المثنى أن قدم على المدينة المنورة، وقال للصديق: "يا خليفة رسول الله استعملني على من أسلم من قومي أقاتل بهم هذه الأعاجم من أهل فارس"، فكتب له الصديق عهدًا بذلك.
ثم أرسل المثني إلى الصديق يطلب منه المدد لقتال الفرس، فأرسل الصديق رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد وهو باليمامة برسالة يقول له فيها: "إن الله فتح عليك فعارق، وابدأ بفرج الهند، وتألَّف أهل فارس ومن كان في ملكهم من الأمم".
وقد أمر الصديق خالد ألا يكره أحداً علي المسير معه فعاد الكثير منهم ولم يتبقى مع خالد سوي 2000 مقاتل، فأرسل خالد إلى الصديق يطلب المدد فأرسل له الصديق رجلاً واحد وهو القعقاع بن عمرو التميمي فتعجب أهل المدينة من فعل الصديق فقال لهم: "لَصَوْتُ القعقاع في الجيش خير من ألف رجل"، "ولا يُهْزَمُ جيشٌ فيهم مثل هذا".
ثم أرسل الصديق رضي الله عنه إلى المثني يأمره أن يسير إلى خالد بن الوليد ويسمع له ويطيع فتحرك المثني بجيشه وكانوا 4000 مقاتل، كما أرسل الصديق إلى مذعور بن عدي أيضًا في جنوب العراق يأمره بالمسير مع خالد، فكان أن جاءه مذعور على رأس ألفي مقاتل.
وأرسل إلي بني تميم ممن ثبت علي إسلامه يأمرهم بالمسير مع خالد فخرج ألفان من قبيلة تميم، منهم ألف على رأسهم سُلمى، وألف على رأسهم حرملة، كما استطاع خالد رضي الله عنه أن يجمع ثمانية آلاف مقاتل من قبائل ربيعة ومضر ممن ثبت علي إسلامه فأصبح تعداد جيش خالد ثمانية عشر ألف مقاتل.
ما قبل المعركة
بعد أن جمع خالد بن رضى الله عنه جيشه أرسل إلى هرمز أمير منطقة الأبلة من قبل فارس رسالة جاء فيها:
"أما بعد.. فأسلمْ تسلمْ، أو اعتقد لنفسك وقومك الذمة وأقرر بالجزية، وإلا فلا تلومنَّ إلا نفسك، فقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة".
وما إن وصلت هذه الرسالة إلى هرمز حتى استشاط غضبًا؛ ومن فوره أرسل بالخبر إلى شيرويه في المدائن، ويستأذنه في قتال المسلمين وإرسال المدد له.
ومن الأبلة وبعد أن أرسل شيرويه بجيش كبير إليه تعجل هرمز إلى منطقة كاظمة، وهي على ساحل الخليج الفارسي وماؤها عذب، ظنًّا منه أنها مقصد خالد بن الوليد!! إلا أنه علم بعد ذلك أن خالدًا قصد الحفير، فكان أن عدل عن وجهته ومال إليها ليبادر هو خالدًا.
وقد اكتشفت عيون خالد أن هرمز وصل إلى الحفير وعسكر بها فكان أن غير اتجاهه وعاد مرة أخرى إلى كاظمة، فغضب هرمز من فعل خالد بن الوليد رضي الله عنه ثم أسرع إلى كاظمة لملاقاة جيش خالد فكان وصول الجيشان في وقت واحد، ﻭﻋﺴﻜﺮ ﺑﺎﻟﻘﺮﺏ ﻣﻦ ﻣﻮﺍﺭﺩ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻟﻴﻤﻨﻊ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ .
ﻓﺄﺛﺎﺭ ﺫﻟﻚ ﺣﻤﺎﺳﺔ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ، ﻭﺧﻄﺐ ﻓﻴﻬﻢ ﺧﺎﻟﺪ ﻗﺎﺋﻼً: «ﺃَﻻ ﺍﻧْﺰِﻟُﻮﺍ ﻭَﺣُﻄُّﻮﺍ ﺃَﺛْﻘَﺎﻟَﻜُﻢْ، ﺛُﻢَّ ﺟَﺎﻟَﺪُﻭﻫُﻢْ ﻋَﻠَﻰ ﺍﻟْﻤَﺎﺀِ، ﻓَﻠَﻌَﻤْﺮِﻱ ﻟَﻴَﺼِﻴﺮَﻥَّ ﺍﻟْﻤَﺎﺀُ ﻷَﺻْﺒَﺮِ ﺍﻟْﻔَﺮِﻳﻘَﻴْﻦِ، ﻭَﺃَﻛْﺮَﻡِ ﺍﻟْﺠُﻨْﺪَﻳْﻦِ».
ولكي يضمن هرمز عدم فرار جيشه قرر أن يقوم بربط كل عشرة من الجنود بسلسلة فيما بينهم، وقد عارضه في هذه الفكرة كثيراً من رجاله ولكنه أصر عليها، ثم جهز هرمز جيشه وجعل قباذ علي الميمنة وأنوجشان على الميسرة وهو أخوة هرمز.
بداية المعركة
كانت من عادة الجيوش في هذا الوقت هو المبارزة قبل بدء الحرب وهو نوع من استعراض القوة بينهما، ولكن كان هرمز يضمر في نفسه المكر والغدر بخالد بن الوليد، فتواطأ مع فرسانه على الغدر بخالد حين يشتبك معه بأن يهجموا عليه معه فيقتلوه.
وبالفعل امتطى هرمز فرسه، وانطلق ينادي فيقول: "رجل ورجل، أين خالد بن الوليد؟" فخرج إليه خالد وتقدم بفرسه حتى وصل إلى هرمز، والتقيا فاختلفا ضربتين، ابتدأه خالد بضربة فتلقاها هرمز، ثم ضرب هرمز ضربة تلقاها خالد، وما فتئ القتال يحتدم حتى أحاطت حامية كبيرة من الفرس بهما
إلا أن ذلك لم يشغل خالد عن قتل هرمز، فظل يقاتله حتى قتله على فرسه وظل يقاتل ويبارز تلك الحامية التي التفت حوله حتى هبَّ لنجدته القعقاع بن عمرو واستطاع ومن معه تخليصه من بينهم.
في هذه الأثناء التحم الفريقان، وهجم المسلمون هجمة شرسة على الفرس، وقد فُتَّ في عَضُدِهم، خاصة بعد مقتل قائدهم هرمز أمام أعينهم في أول ضربة للمسلمين وأول قتيل للفرس.
ضعفت عزيمة الفرس ووهنت قوتهم بعد مقتل قائدهم وأعمل المسلمون فيهم السيف، وكان إذا قتل واحد جر معه الباقي بسبب ربطهم بالسلاسل.
نهاية المعركة
1- انتهت المعركة بانتصار المسلمين ولم يكن لهم خسائر تذكر
2- استحواذ المسلمين على كاظمة وأخذ خالد تاج هرمز وأرسله إلى الصديق مع خمس الغنائم.
أرسل خالد بن الوليد رضي الله عنه المثنى بن حارثة لمطاردة فلول الفرس، فوصل المثنى إلى حصن يسمي «حصن المرأة» وكان لأميرة فارسية، فترك عليه أخاه المُعَنَّى بن حارثة لفتحه، وتوجه هو إلى "حصن الرجل" وهو لزوج الأميرة ففتحه، ولما علمت بذلك الأميرة تخلت عن الحصن وفتحه المُعَنَّى، وقد تزوجها بعد أن أسلمت.
بعد المعركة
سار خالد بجيشه إلى الأُبلَّة وفيها جيوش كثيفه للفرس وقد أرسل خالد رضي الله عنه سويد بن قطبة لمحاصرة المدينة، ولما وصل خالد بقواته وجد سويد يتعقب أهل الأبلة في انتظار أن يهاجموه فيقاتلهم خارج المدينة، ولكن لما وصل خالد بباقي الجيش رفض الفرس الخروج للقتال خوفاً منه.
فقال سويد لخالد: إن أهل الأبلة قد جمعوا لي ولا أحسبهم امتنعوا مني إلا لمكانك أي خوفا منك
وهناك رسم خالد بالاتفاق مع سويد خطه يخدعون بها الفرس حتى يأمنوا فيخرجوا لمقاتله سويد وذلك بحيث يعتقدون أن خالدا الذي بث في قلوبهم الرعب بقتل هرمز قد ترك المعسكر.
خرج خالد من المعسكر نهارا ثم عاد إليه ليلا فدخل بأصحابه وعسكر خلف جيش سويد.
فقال سويد لخالد: إن أهل الأبلة قد جمعوا لي ولا أحسبهم امتنعوا مني إلا لمكانك أي خوفا منك
وهناك رسم خالد بالاتفاق مع سويد خطه يخدعون بها الفرس حتى يأمنوا فيخرجوا لمقاتله سويد وذلك بحيث يعتقدون أن خالدا الذي بث في قلوبهم الرعب بقتل هرمز قد ترك المعسكر.
خرج خالد من المعسكر نهارا ثم عاد إليه ليلا فدخل بأصحابه وعسكر خلف جيش سويد.
نجحت خطة خالد وخدع حامية الأبلة الفارسية فاطمئن الفرس وخرجوا لقتال سويد وما كادوا يصلون معسكر سويد حتى رأوا المسلمين على أهبة الاستعداد فاسقط في أيديهم وعلموا أن خالدا في الجيش ولم يحاربوا بل حاولوا الفرار والعودة للحصون فعند عودتهم حال بينهم خالد رضي الله عنه وبين المدينه فتمزق شملهم وكثر القتل فيهم وبعث خالد معقل بن مقرن المزني إلى الأبله التي كانت خاليه من المحاربين فسيطر عليها دون قتال وجمع ما فيها من غنائم وأسلحة.
-------------------------------------------
* المصادر
- تاريخ الرسل والملوك الطبري
- الانشراح ورفع الضيق في سيرة الصديق
- تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية

إرسال تعليق