مقدمة
كان ممن قتل في معركة الولجة اثنان من أبناء زعماء النصاري العرب وهما ابن لعبد الأسود العجلي وابن لجابر بن بجير وهما من قبيلة بكر بن وائل، واشتد غيظهم وغضبهم على المسلمين وقاموا بتجهيز جيشاً كبيراً وكاتبوا الفرس يعرضون عليهم مساندتهم في قتال المسلمين.
أرسل كسري إلى بهمن جاذويه يأمره أن يسير إلي جيش النصاري العرب وينضم إليهم، ولكن في الطريق إليهم جاءت الأخبار إلى بهمن بمرض أردشير كسري الفرس فترك بهمن الجيش تحت قيادة جابان وعاد بهمن إلى المدائن ورغم أن جابان كان قائداً محنكاً إلا أنه كان ضعيف الشخصية.
اجتمع جابان بجيش النصاري كما إنضم إليهم أربعون ألفاً من أهل مدينة أمغيشيا وكان هؤلاء هما كل أهل المدينة فأصبح تعداد جيش الفرس ما يقارب المائة ألف مقاتل.
كان خالد في الولجة عندما سمع بتجمع هذه الجيوش في منطقة أليس فتحرك خالد بن الوليد رضي الله عنه إليهم لقتالهم وكان تعداد جيشه 18,000 مقاتل إذ لم يفقد في المعارك السابقة عدداً يذكر.
بداية المعركة
جاء النصاري إلى جابان وقالوا له: "اجعلنا على المقدمة فنحن أعلم بالعرب وأقدر على قتالهم منك" فقال لهم جابان: "لَئِن صدقتم لنجعلنكم عليها". وقد اعترض الفرس على ذلك ورأوا أن جابان يفضل العرب عليهم فرد عليهم جابان قائلاً: "إن كان لنا النصر فهم تحت إمرتنا، وإن كان للعرب المسلمين النصر فهم فداؤنا". وكان أن جعل جيشه في المؤخرة، وجعل نصارى بكر في المقدمة، فجعل جابر على يمينه وعبد الأسود على يساره، ومقدمة الجيش من أَمْغِيشيا.
وصل خالد بجيشه إلي منطقة أليس فصادف وصوله في هذا الوقت والفرس قد أعدوا طعام الغداء وجلسوا إليه، وكما قلنا أن جابان كان ضعيف الشخصية فقد أمرهم أن يتركوا الطعام ويتحركوا لقتال المسلمين ولكنهم عصوه ولم ينفذوا الأمر بسبب تكبرهم وغرورهم لأن تعدادهم كان يفوق المائة ألفًا، فأمرهم جابان بوضع السم في الطعام فإذا ما انتصر المسلمون وأكلوا من هذا الطعام ماتوا ولكنهم اغتروا وتكبروا وظنوا أنهم لا يُغلبوا.
رتب خالد رضي الله عنه جيشه وخرج أمام الصف ونادي: "أين جابر؟ أين عبد الأسود؟" فجبنوا حتى خرج رجل يدعى مالك بن قيس، وكان أيضًا من زعماء بكر بن وائل، فقال له خالد بن الوليد: "يابن الخبيثة، ما جرأك عليَّ من بينهم وليس فيك وفاء؟!"
فضربه ضربة واحدة قتلَتْه!!
وعلي الفور هاجم خالد بن الوليد رضي الله عنه وجيشه الفرس وأقامهم عن طعامهم وأجبرهم على الحرب، واقتتل الجيشان قتالاً شديداً مريراً.
وهنا نذر خالد بن الوليد نذرًا فقال: "اللهم إن لك عليَّ إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقي منهم أحدًا أقدر عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم"، وما إن انتهي خالد من دعائه حتي مالت الكفة لصالح المسلمين وبدأ الفرس في الهرب فنادى خالد في الجيش: "الأسر الأسر إلا من امتنع".
واستطاع المسلمين أسر الكثير منهم حتي جمعوا منهم سبعين ألفاً أكثرهم من مدينة أمغيشيا وقد حبس خالد الماء عن الفرات، ثم وضعهم على حافته وقد وَكَّلَ بهم من يضرب أعناقهم فيه حتى ظلوا في ذلك ثلاثة أيام فقال القعقاع بن عمرو التميمي لخالد: «"لو أنك قتلت أهل الأرض جميعًا لم تجر دماؤهم! فأرسل الماء على الدماء فيجري النهر بدمائهم"» فأجري خالد رضي الله عنه النهر فصار من أثر دمائهم أحمر قانيًا، فسُمِّيَ لذلك "نهر الدم"، وظل على ذلك قرونًا طويلة.
أرسل خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى الصديق رضي الله عنه يخبره بنتيجة هذه المعركة فقال: "يا معشر قريش، عدا أسدكم على أسدهم؛ فغلبه على خراذيله، أعجزت النساءُ أن يلدن مثل خالد"
بعد المعركة
توجه خالد رضي الله عنه إلى مدينة أمغيشيا وقد أصبحت خاوية من أهلها فأمر خالد رضي الله عنه بهدمها بالكامل وقام بتقسيم السبي والغنائم على الجيش وكان من ضمن السبي رجل نصراني يدعي حبيب وقد أسلم هذا الرجل وأنجب غلاماً وهو الحسن البصري، وتجهز خالد رضي الله عنه بعد ذلك لفتح الحيرة حيث كانت هي وجهته القادمة.

إرسال تعليق