تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

القضاء على الردة في بني حنيفة


نبذة عن مسيلمة الكذاب

اسمه مسيلمة بن حبيب الحنفي الكذاب، ولد ونشأ في اليمامة في نجد.
كان مسيلمة قبل ادِّعائه النبوَّة يتجوَّل في الطرقات ويطوف في الأسواق التي كانت بين دور العجم والعرب مثل الأُبُلَّة وبقة والأنبار والحيرة، يلتمس تعلُّم الحِيَل والنيرنجات، واحتيالات أصحاب الرقى والنجوم، ويُتابع أخبار المتنبِّئين.
وقد ترك تأثيرًا ملموسًا في أوساط بني حنيفة والقبائل المجاورة، واشتهر بالخلابة والقدرة على استهواء النفوس من الرجال والنساء، وتسمَّى بالرحمن، فقيل له: رحمن اليمامة.


بني حنيفة زمن النبي صلى الله عليه وسلم


عندما كتب النبيُّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام، كتب إلى هوذة بن عليِّ الحنفي النصراني وأهل اليمامة، وأرسل كتابه مع سليط بن قيس بن عمرو الأنصاري فاشترط هوذة أن يجعل الأمر له من بعده، فرفض النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقال: "لَا، وَلَا كَرَامَة، اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِ". فمات بعد قليل.
وفد بني حنيفة يقابل النبي صلى الله عليه وسلم
قدم مسيلمة إلى المدينة في بضعة عشر رجلًا من قومه بني حنيفة برئاسة سلمى بن حنظلة وفيهم الرجَّال بن عنفوة أحد وجهاء القبيلة؛ لإعلان إسلامهم، وقد أرادوا مقابل لدخولهم في الإسلام وهو الحصول على موافقةٍ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم لخلافته، وقد كانت بني حنيفة تُعدُّ من أضخم القبائل العربية وأوفرهم حظًّا بالمنعة والجاه.
اجتمع مسيلمة بالنبي صلى الله عليه وسلم أولاً منفردًا وطلب منه أن يجعل الأمر له من بعده، فرفض النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقال له: "لَوْ سَأَلْتَنِي هَذَا الْقَضِيبَ -وكان بيده- مَا أَعْطَيْتُكَهُ وَإِنِّي لَأَرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا أُرِيتُ". ثُمَّ اجتمع أعضاء الوفد بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم في المسجد دون مسيلمة، وقد روت المصادر خروج أعضاء الوفد وقد اعتنقوا الإسلام وأعطاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم جوائزهم، غير أن الوفد كرر طلب مسيلمة بأن يكون الأمر لهم بعد النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم رفض طلبهم، ولمـَّا قرَّروا العودة خاطبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلين: "إنا خلفنا صاحبًا لنا في رحالنا يبصرها لنا، وفي ركابنا يحفظها علينا". فلم يُميِّزه النبي صلى الله عليه وسلم وساواه بأصحابه، وقال: "أَمَّا إِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِّكُمْ مَكَانًا، يَحْفَظُ ضَيْعَةَ أَصْحَابِهِ". فقيل ذلك لمسيلمة، فقال: "عرف أنَّ الأمر إليَّ من بعده". فلمَّا عادوا إلى ديارهم ادَّعى النبوَّة متخذًا من حديث رسول الله مع وفد قومه وإخباره أنَّه ليس بشرِّهم مكانًا دليلًا على دعواه، وهذا تفسيرٌ أحاديُّ الجانب يتناقض مع قول النبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم الصريح بشأن وضعه.
وبعد أن عاد مسيلمة إلى قومه أظهر دعوته، كتب إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم كتابًا يدَّعي فيه مشاركته في الرسالة ويُساومه في اقتسام المـُلْك والسيادة في جزيرة العرب، فقال: "من مسيلمة رسول الله إلى محمَّدٍ رسول الله، سلام عليك فإنِّي قد أُشركت في الأمر معك، وإنَّ لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكنَّ قريشًا يعتدون".
وأبى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يترك الفرصة لمثل هؤلاء الكذَّابين للتشكيك في أمر الدين، فكتب إليه: "بسم الله الرحمن الرحيم، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ. سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ" وقد حمل هذه الرسالة إلى مسيلمة حبيب بن زيد الأنصاري فسأله مسيلمة: «أتشهد أن محمدًا رسول الله؟»، قال: «نعم»، ثم قال: «أتشهد أني رسول الله؟»، قال حبيب: «أنا أصم لا أسمع»، ففعل ذلك مرارًا، وفي كل مرة يقطع مسيلمة عضوًا منه، حتى مات.


نهار الرجال بن عنفوة وارتداد كل بني حنيفة


ترك بني حنيفة رجلاً منهم في المدينة اسمه نهار الرجال بن عنفوة وقد بقي في المدينة ليتعلم ويتفقه في الدين فعيَّنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم معلِّمًا لأهل اليمامة يُفقِّههم في الدين، ويردُّ من اتَّبع منهم مسيلمة، ويشغب معهم عليه، ويشدُّ من عزائم المسلمين.
ولكن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ادعي هذا الرجل أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول أنه جعل الأمر من بعده إلي مسيلمة فكان الرجال أعظم فتنة من مسيلمة إذ تسبب في ارتداد كل بني حنيفة وقد وضع مسيلمة كلَّ ثقته بنهار الرجال يستشيره في كلِّ أمرٍ يُقلِّد فيه محمَّدًا صلى الله عليه وسلم.
وقد اتَّخذ مسيلمة حرمًا باليمامة فأُخذ الناس به فكان محرمًا، ونظَّم كلامًا مضاهاة للقرآن، وقصده الناس ليتسمعوا منه بعد أن اشتهر أمره فكان ممن قصده المتشمِّس بن معاوية عمُّ الأحنف بن قيس، فلمَّا خرج من عنده قال عنه: إنَّه كذَّاب. وقال عنه الأحنف بن قيس وكان قد رآه -أيضًا-: ما هو بنبيٍّ صادق، ولا بمتنبِّئٍ حاذق.
وقد ذكر ابن كثير أن عمرو بن العاص -قبل إسلامه- قابل مسيلمة فسأله مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة. فقال: وما هي؟ قال: أنزل عليه: «وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ» قال: ففكر مسيلمة ساعة، ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل عليَّ مثلها. فقال له عمرو: وما هو؟. قال مسيلمة: "يَا وَبَرُ يَا وَبَرُ، إِنَّمَا أَنْتِ أُذُنَانِ وَصَدْرٌ، وَسَائِرُكِ حَقْرٌ نَقْرٌ". ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم إنك لكذاب.


التعصب الأعمي


رأي طلحة النميري الذي قَدِم إلى اليمامة للاجتماع بمسيلمة والوقوف على حقيقة دعوته واختبار نبوَّته؛ إذ عندما طلب الاجتماع به وسمَّاه باسمه -مسيلمة- ردَّ عليه قومه: "مه يا رسول الله. فقال: لا حتى أراه. فلمَّا جاءه قال: أنت مسيلمة؟ قال: نعم. قال: من يأتيك؟ قال: رحمن. قال: أفي نورٍ أو في ظلمة؟ فقال: في ظلمة. فقال: أشهد أنَّك لكذَّاب وأنَّ محمَّدًا صادق؛ ولكنَّ كذَّاب ربيعة أحبُّ إلينا من صادق مضر".


القضاء على الردة في بني حنيفة


أرسل الصديق رضي الله عنه عكرمة بن أبي جهل بجيش لقتال مسيلمة الكذاب ثم أرسل مدداً له بقيادة شرحبيل بن حسنة ولكن عكرمة تعجل ولم ينتظر وصول المدد فهاجم جيش مسيلمة وكان جيشاً كبيراً يقترب من مائة ألف مقاتل، فانهزم عكرمة وأرسل إلي أبو بكر يخبره فأمره أبو بكر أن يتجه لعمان لقتال المرتدين هناك وأمر شرحبيل أن ينتظر وصول خالد بن الوليد إليه.
بعد وصول خالد بن الوليد وانضم إليه جيش شرحبيل كما أرسل لهم الصديق مدداً فوصل تعداد الجيش 12000 مقاتل والتحم الجيشان في معركة ضارية كانت الغلبة في أولها لمسيلمة، وهنا ظهرت بطولات المسلمين فثبتوا وقاتلوهم فتمكنوا من قتل الرجال بن عنفوة كما هاجم خالد بن الوليد مسيلمة ولكنه أخطأه، فهرب مسيلمة وجيشه إلي الحصن وأغلقوا الأبواب عليهم.
وقد تمكن المسلمون من اقتحام الحصن وقتل مسيلمة الكذاب رماه وحشي بحربته وضربه أبو دجانة بسيفه فقطع رأسه.


انتهاء المعركة والصلح


بعد مقتل مسيلمة انهار معنويات جنوده فألقوا أسلحتهم واستسلموا وتولي القيادة بعد مسيلمة رجل اسمه مجاعة بن مرارة الحنفي وكان أسيراً لدي المسلمين فأعلن استسلامه وطلب الصلح تكبَّد بنو حنيفة واحدًا وعشرين ألف قتيل، في حين تكبَّد المسلمون ألفًا ومائتي قتيل، وتقرَّر الصلح:

1- يُسلِّم بنو حنيفة نصف ما عندهم من الذهب، والفضة، والسلاح، والخيل، وربع السبي، وحائطًا من كلِّ قريةٍ ومزرعة.
2- يعصم المسلمون دماءهم على أن يدخلوا في الإسلام.

أوقعت هذه المعركة الرعب في قلوب بقيَّة المرتدِّين في الجزيرة العربية خاصَّةً في تهامة التي تجمَّعت فيها فلول ممَّن انضوى تحت قيادة مسيلمة من مدلج وخزاعة وكنانة بقيادة جندب بن سلمى المدلجي، وراحوا يجوبون المنطقة بين صنعاء ونجران. فأرسل إليهم عتابٌ بن أسيد -عامل أبي بكر على مكَّة- أخاه فاصطدم بهم في الأبارق وانتصر عليهم، وفرَّ جندب من أرض المعركة.

-------------------------------------------

* المصادر

- تاريخ الرسل والملوك الطبري

- الانشراح ورفع الضيق في سيرة الصديق

- تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية

- سيرة الخلفاء الراشدين من سير أعلام النبلاء

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب