موقف عمر في مرض النبي صلى الله عليه وسلم
يقول عبدالله بن زمعة: لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه بلال يدعوه إلى الصلاة فقال: مروا من يصلي بالناس قال: فخرجت فإذا عمر في الناس وكان أبو بكر غائباً فقلت: قم يا عمر فصلي بالناس فقام فلما كبر وكان عمر رجلاً مجهرا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأين أبو بكر يأبي ذلك الله والمسلمون، يأبي ذلك الله والمسلمون قال: فبعث إلي أبي بكر فجاء بعد أن صلي عمر تلك الصلاة فصلي بالناس
يقول عبدالله بن زمعة: قال لي عمر: ويحك ماذا صنعت بي يابن زمعة؟ والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله أمر بذلك، ولولا ذلك ما صليت بالناس فقال عبد الله: والله ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ولكن لما لم أرٍ أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة بالناس
وفاة النبي
تقطعت قلوب الصحابة، وتمزقت نفوسهم، وتحطمت مشاعرهم، عندما سمعوا بخبر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: "ما رأيت يومًا قطّ كان أحسن ولا أضوأ، من يوم دخل علينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما رأيت يومًا قطّ كان أقبح ولا أظلم، من يوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد أخرجته الكارثة عن وعيه يقول: "إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات. لكن ذهب إلى ربه، كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، ووالله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات".
وبينما هم كذلك إذ جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه من السنح على فرسه من مسكنه، ونزل عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكلم الناس، ودخل المسجد، ومنه دخل إلى بيت عائشة حيث مات رسول الله صلى الله عليه وسلم على حجرها، فتوجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مغطى بثوب، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه، فقبله وبكى، ثم قال الصديق وقلبه ينفطر: "بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك، فقد متها". ثم خرج الصديق رضي الله عنه، فوجد عمر في ثورته يتكلم مع الناس، والناس يلتفون حوله فقال الصديق: اجلس يا عمر. لكن عمر لم يجلس، وظل على حاله، فترك الناس عمر والتفوا حول الصديق فقال أبو بكر الصديق: أما بعد، من كان منكم يعبد محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم قرأ قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]. يقول عمر رضي الله عنه: "والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فَعَقِرْت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض، حين سمعته تلاها علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات.
يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: "لما قُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم أظلمت المدينة، حتى لم ينظر بعضنا إلى بعض، وكان أحدنا يبسط يده فلا يراها، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا".
وقد اعتذر عمر عما قاله يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك قبل أن تؤخذ البيعة العامة الصديق في اليوم التالي فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أيها الناس، إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهداً عهده إلي رسول الله ولكني قد كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا، وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم: صاحب رسول وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه»، فبايع الناس أبا بكر بعد بيعة السقيفة.
يوم السقيفة
كان لعمر رضي الله عنه دور في جمع كلمة المسلمين فهو أول من بايع أبو بكر فتبعه المهاجرون والأنصار وقد رفض الأمر لنفسه يقول عمر: قال أبو بكر للأنصار: وقد رضيت لكم هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم -فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا- فلم أكره مما قال غيرها، والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إليَّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول إليَّ نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن.
فأبى عمر رضي الله عنه إلَّا أن يتولَّاها أبو بكر رضي الله عنه أفضل المهاجرين، وثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة رسول الله على الصلاة، فطلب منه أن يبسط يده ليُبايعه، فسبقه بشير بن سعد وأسيد بن حضير رضي الله عنهما، ثُمَّ أقبل الأوس والخزرج على مبايعته، ووثب بعد ذلك أهل السقيفة يبتدرون البيعة.

إرسال تعليق