نسبه وإسلامه
هو أبو طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد
مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، مشهور بكنيته، وأمه هي عبادة بنت
مالك بن عدي بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار وهو مشهور
بكنيته.
أسلم قبل بيعة العقبة الثانية، حين ذهب لخطبة أم سليم بنت
ملحان بعد وفاة زوجها أبو أنس بن مالك، حيث ذهب إليها فلما بلغ منزله،
واستأذن إليه، فعرض نفسه عليها. فقالت: إن مثلك يا أبا طلحة لا يُرد، ولكني
لن أتزوجك فأنت رجل كافر. فقال: والله ما هذا الذي يمنعكِ مني يا أم سليم.
قالت: فماذا إذ؟! قال: الذهب والفضة. يعني أنها آثرت غيره عليه أكثر غنىً
منه. قالت: بل إني أشهِدك يا أبا طلحة، وأشهد الله ورسوله؛ أنك إن أسلمت
رضيت بك زوجًا، وجعلت إسلامك لي مهرًا.
فلما سمع أبو طلحة كلام أم سليم،
انصرف ذهنه إلى صنمه الذي اتخذه من الخشب، يتوجه إليه بالعبادة. هنا قالت
أم سليم: ألست تعلم يا أبا طلحة أن إلهك الذي تعبده من دون الله قد نبت من
الأرض؟! فقال: بلى. قالت: ألا تشعر بالخجل وأنت تعبد جذع شجرة، جعلت بعضه
لك إلهًا، بينما جعل غيرك بعضه الآخر وقودًا يخبز عليه عجينه؟!
قال:
ومَن لي الإسلام؟ قالت: أنا أعلمك كيف تدخل فيه: تشهد أن لا إله إلا الله،
وأن محمدًا رسول الله، ثم تذهب إلى بيتك فتحطم صنمك وترمي به. ففعل أبو
طلحة كل ذلك. ثم تزوج من أم سليم. فكان المسلمون يقولون: "ما سمعنا بمهر قط
كان أكرم من مهر أم سليم، فقد جعلت مهرها الإسلام".
وفي رواية
أخرى: فانطلق أبو طلحة يريد النبي صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله
عليه وسلم جالس في أصحابه، فلما رآه قال: جاءكم أبو طلحة غرة الإسلام بين
عينيه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قالت أم سليم، فتزوجها على
ذلك.
قال ثابت البناني أحد رواة القصة عن أنس: فما بلغنا أن مهرًا كان أعظم منه أنها رضيت الإسلام مهرًا.
فتزوجها
وكانت امرأة مليحة العينين، فيها صغر، فكانت معه حتى ولد له بني[3]، وكان
يحبها أبو طلحة حبًا شديدًا، ومرض الصبي مرضًا شديدًا، فتواضع أبو طلحة
لمرضه أو تضعضع له، فكان أبو طلحة يقوم صلاة الغداة يتوضأ، ويأتي النبي صلى
الله عليه وسلم فيصلي معه، ويكون معه إلى قريب من نصف النهار، ويجيء يقيل
ويأكل، فإذا صلى الظهر تهيأ وذهب، فلم يجئ إلى صلاة العتمة.
فانطلق أبو
طلحة عشية إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية: إلى المسجد ومات الصبي
فقالت أم سليم: لا ينعين إلى أبي طلحة أحد ابنه حتى أكون أنا التي أنعاه
له، فهيأت الصبي فسجت عليه، ووضعته في جانب البيت، وجاء أبو طلحة من عند
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل عليها ومعه ناس من أهل المسجد من
أصحابه فقال: كيف ابني؟ فقالت: يا أبا طلحة ما كان منذ اشتكى أسكن منه
الساعة وأرجو أن يكون قد استراح! فأتته بعشائه فقربته إليهم فتعشوا، وخرج
القوم.
قال: فقام إلى فراشه فوضع رأسه، ثم قامت فتطيبت، وتصنعت له أحسن
ما كانت تتصنع قبل ذلك، ثم جاءت حتى دخلت معه الفراش، فما هو إلا أن وجد
ريح الطيب كان منه ما يكون من الرجل إلى أهله.
فلما كان آخر الليل قالت:
يا أبا طلحة أرأيت لو أن قومًا أعاروا قومًا عارية لهم، فسألوهم إياها
أكان لهم أن يمنعوهم؟ فقال: لا، قالت: فإن الله عز وجل كان أعارك ابنك
عارية، ثم قبضه إليه، فاحتسب واصبر! فغضب ثم قال: تركتني حتى إذا وقعت بما
وقعت به نعيت إلى ابني! فاسترجع، وحمد الله.
فلما أصبح اغتسل، ثم غدا
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى معه، فأخبره، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((بارك الله لكما في غابر ليلتكما)). فثقلت من ذلك الحمل،
وكانت أم سليم تسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم، تخرج إذا خرج، وتدخل معه
إذا دخل، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا ولدت فأتوني بالصبي)).
قال:
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره وهي معه، وكان رسول الله صلى
الله عليه وسلم إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقًا، فدنوا من
المدينة، فضربها المخاض، واحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فقال أبو طلحة: يا رب إنك لتعلم أنه يعجبني أن أخرج مع رسولك
إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتسبت بما ترى.
قال: تقول أم سليم: يا
أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد فانطلقا، قال: وضربها المخاض حين قدموا،
فولدت غلامًا، وقالت لابنها أنس: يا أنس، لا يطعم شيئًا حتى تغدو به إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثت معه بتمرات، قال: فبات يبكي، وبت مجنحا
عليه، أكالئه حتى أصبحت.
فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه
بردة، وهو يسم إبلًا أو غنمًا قدمت عليه، فلما نظر إليه، قال لأنس:
((أولدت بنت ملحان؟)) قال: نعم، فقال: ((رويدك أفرغ لك))، قال: فألقى ما في
يده، فتناول الصبي وقال: ((أمعه شيء؟)) قالوا: نعم، تمرات فأخذ النبي صلى
الله عليه وسلم بعض التمر فمضغهن، ثم جمع بزاقه، ثم فغر فاه، وأوجره إياه،
فجعل يحنك الصبي، وجعل الصبي يتلمظ: يمص بعض حلاوة التمر وريق رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فكان أول من فتح أمعاء ذلك الصبي على ريق رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال: ((انظروا إلى حب الأنصار التمر))، قال: (قلت: يا
رسول الله سمه، قال: فمسح وجهه وسماه عبد الله، فما كان في الأنصار شاب
أفضل منه، قال: فخرج منه رجل كثير، استشهد عبد الله بفارس).
مواقفه مع النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته
عن
إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال أبو طلحة
لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟
قالت: نعم. فأخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخرجت خمارًا لها، فلفت الخبز
ببعضه، ثم دسته تحت يدي ولاثتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله قال:
فذهبت به، فوجدت رسول الله في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول
الله: "أرسلك أبو طلحة؟" فقلت: نعم. قال: "بطعام؟" فقلت: نعم.
فقال
رسول الله لمن معه: "قوموا"، فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة
فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله والناس، وليس عندنا
ما نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله،
فأقبل رسول الله وأبو طلحة معه فقال رسول الله: "هلم يا أم سليم، ما عندك؟"
فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ففت، وعصرت أم سليم عكة فآدمته، ثم
قال رسول الله r فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: "ائذن لعشرة". فأذن لهم،
فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة". فأذن لهم. فأكلوا حتى
شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم
خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة". فأكل القوم كلهم والقوم سبعون أو ثمانون
رجلاً.
وكان أبو طلحة جوادًا بماله في مواقف البذل، ومن ذلك أنه كان
له بستان من نخيل وأعناب لم تعرف المدينة بستانًا أعظم منه شجرًا، ولا
أطيب ثمرًا، ولا أعذب منه ماءً.
وبينما كان أبو طلحة يصلي في بستانه،
أثار انتباهه طائر أخضر اللون، أحمر المنقار، فأعجبه منظره، وشرد عن صلاته
بسببه، فلم يدرِ كم صلى ثلاثًا أم أربعًا. فلما فرغ من صلاته ذهب إلى رسول
الله، وشكا له نفسه التي شغلها البستان والطائر عن الصلاة، ثم قال: أشهد يا
رسول الله أني جعلت هذا البستان صدقة لله تعالى، فضعه حيث يحب الله
ورسوله.
وفي الصحيحين عن أنس لما نزلت: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى
تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، قال أبو طلحة لرسول الله:
إن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة أرجو برها وذخرها. فقال النبي: "بخ بخ
ذاك مال رابح".
ولما كان يوم أُحد؛ وانكشف المسلمون عن رسول الله،
فنفذ إليه المشركون من كل جانب، فكسروا رَباعيته، وشجوا جبينه، وجرحوا
شفته، وأسالوا الدم على وجهه.
انتصب أبو طلحة أمام رسول الله كالجبل
الراسخ، ووقف عليه الصلاة والسلام خلفه يتترس به، وأخذ أبو طلحة يرمي سهامه
على جنود المشركين واحدًا بعد واحد، وما زال أبو طلحة ينافح عن رسول الله
حتى كسر ثلاث أقواس، وقتل كثيرًا من جند المشركين.
وعن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة يجثو بين يدي رسول الله في الحرب ويقول:
نفسي لنفسك الفداء
ووجهي لوجهك الوفاء
ثم ينشر كنانته بين يديه فقال النبي: "لصوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة رجل".
وروى
حميد عن أنس قال: كان أبو طلحة بين يدي رسول الله وكان رسول الله يرفع
رأسه من خلف أبي طلحة ليرى مواقع النبل. قال: وكان أبو طلحة يتطاول بصدره
يقي به رسول الله ويقول: نحري دون نحرك.
ومن شجاعته ما يرويه أنس بن
مالك أن رسول الله قال يوم حنين: "من قتل كافرًا فله سلبه فقتل أبو طلحة
يومئذ عشرين رجلاً وأخذ أسلابهم".
وروى عن أنس أن النبي لما حلق شعره بمنى فرق شقه الأيمن على أصحابه الشعرة والشعرتين وأعطى أبا طلحة الشق الأيسر كله.
ولما
عزم المسلمون على أن يغزوا في البحر في خلافة عثمان، أخذ أبو طلحة يجهز
نفسه للخروج مع المسلمين، فقال له أبناؤه: "يرحمك الله يا أبانا، لقد صرت
شيخًا كبيرًا، وقد غزوت مع رسول الله وأبي بكر وعمر، فهلا رَكَنتَ إلى
الراحة، وتركتنا نغزوا عنك"، فقال: إن الله يقول: {انْفِرُوا خِفَافًا
وَثِقَالاً} [التوبة: 41]، فهو قد استنفرنا جميعًا شيوخًا وشبابًا, ثم أبى
إلا الخروج.
وفاة أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه
توفي أبو طلحة
الأنصاري في المدينة المنورة سنة 51هـ، وقيل مات غازيًا في البحر، وقال
ثابت عن أنس أيضًا: مات أبو طلحة غازيًا في البحر, فما وجدوا جزيرة يدفنونه
فيها إلا بعد سبعة أيام، ولم يتغير،
وكان رجلاً جلدًا، صيّتًا، آدمًا، مربوعًا، لا يُغيّر شيبه، وكان لأبي طلحة من الولد عبد الله وأبو عمير أمهما أم سليم بنت ملحان.

إرسال تعليق