خبيب بن عدي بن مالك الأوسي الأنصاري شهد بدرًا وأحدًا، وكان له موقف من
مواقف الثبات والشجاعة والتضحية والوفاء، التي سجلها الصحابة الكرام وهو
القائل رضي الله عنه:
وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً
على أي شِقِّ كَانَ لله مَصْرَعِي
جاء
رجال قبيلة عضل ورجال قبيلة القارة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلامًا فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفهموننا
في الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام فبعث رسول الله صلى
الله عليه وسلم ستة من أصحابه وهم: مرثد ابن أبي مرثد الغنوي وهو أمير
القوم، وخالد بن البكير الليثي وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، وخبيب بن عدي،
وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق.
في شهر صفر من السنة الرابعة
من الهجرة أرسلت قبيلتان من القبائل العربية المجاورة للمدينة المنورة عضل
والقارة وافدهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله إن فينا
إسلاما فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن
ويعلموننا شرائع الإسلام، فاستجاب لهم وبعث لهم عشرة من أصحابه وقيل سبعة
وكان منهم: خبيب بن عدي، مرثد بن أبي مرثد، خالد بن أبي البكير، معتب بن
عبيد، عاصم بن ثابت، زيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق، فلما وصلوا إلى
مكان يُسمى الرجيع بين عسفان ومكة، أغار عليهم بنو لحيان من هذيل وهم قريب
من مائتي مقاتل، فأحاطوا بهم، وقتلوا بعضهم وأسروا البعض الآخر، وقد عرفت
هذه الحادثة المفجعة بالرجيع نسبة إلى ماء الرجيع الذي حصلت عنده.
وقد
روى الإمام البخاري هذه الحادثة بتفاصيلها في صحيحه في كتاب: المغازي، عن
أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط
سرية علينا وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر، فانطلقوا
حتى إذا كانوا بالهداة وهو بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو
لحيان، فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل كلهم رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا
مأكلهم تمرا تزودوه من المدينة، فقالوا هذا تمر يثرب، فاقتصوا آثارهم، فلما
رآهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد، وأحاط بهم القوم فقالوا لهم: انزلوا
وأعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ولا نقتل منكم أحداً، قال عاصم بن
ثابت أمير السرية: أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللَّهم أخبر
عنا نبيك، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصماً في سبعه، فنزل إليهم ثلاثة رهط
بالعهد والميثاق منهم خبيب الأنصاري وابن الدثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا
منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله
لا أصحبكم إن في هؤلاء لأسوة يريد القتلى، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم،
فأبى فقتلوه، فانطلقوا بخبيب وابن الدثنة حتى باعوهما بمكة، فابتاع خبيباً
بنو الحارث بن عامر بن نوفل ابن عبد مناف، وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر
يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرا، فأخبرني عبيد الله بن عياض أن بنت الحارث
أخبرته أنهم حين اجتمعوا استعار منها موسي يستحد بها، فأعارته، فأخذ ابناً
لي وأنا غافلة حين أتاه، قالت: فوجدته مجلسه على فخذه والموسي بيده ففزعت
فزعة عرفها خبيب في وجهي، فقال: تخشين أن أقتله؟، ما كنت لأفعل ذلك، والله
ما رأيت أسيرا قط خيراً من خبيب، والله لقد وجدته يوماً يأكل من قطف عنب في
يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر، وكانت تقول إنه لرزق من الله
رزقه خبيبا، فلما خرجوا من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب: ذروني أركع
ركعتين، فتركوه فركع ركعتين ثم قال: لولا أن تظنوا أن ما بي جزع لطولتها،
قال: ثم رفعوه على خشبة فلما أوثقوه قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك
فبلغه الغداة بما يصنع بنا، ثم قال: اللهم أحصهم عددًا واقتلهم بددًا ولا
تغادر منهم أحدًا ثم قتلوه.
قتله ابن الحارث، فكان خُبَيْبٌ هو سَنَّ
لكلِّ مُسلمٍ قُتِلَ صَبْراً، فاستجاب الله لعاصم بن ثابت يوم أصيب فأخبر
النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه خبرهم وما أصيبوا، وبعث ناس من كفار قريش
إلى عاصم حين حدثوا أنه قتل ليؤتوا بشيء منه يعرف، وكان قد قتل رجلًا من
عظمائهم يوم بدر، فبعث على عاصم مثل الظلة من الدبر فحمته من رسولهم فلم
يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئا ).
قال سعيد بن عامر بن حذيم: شهدت
مصرع خبيب وقد بضعت قريش لحمه ثم حملوه على جذعة فقالوا: أتحب أن محمدًا
مكانك؟ فقال: والله ما أحب أني في أهلي وأن محمدًا شيك بشوكة.
وأوحى
الله إلى رسوله ما حدث لخبيب، فبعث عمرو بن أمية الضمري لينزله من خشبة
الصلب فجاءه ورقى إلى الخشبة متخوفًا من العيون وأطلقه فوسَّدَ جثمانه على
الأرض، ثم يقول عمرو بن أمية: فالتفت فلم أر شيئًا فكأنما ابتلعته الأرض
ولم يعثر على جثمانه بعد ذلك.
ويتضح لنا من هذه القصة أن المسلم لا
يغدر وأن أفعال الغدر مما يتميز به المشركون قديمًا وحديثًا، وينبغي أن
يتنزه عنها أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فعندما غفلت المرأة عن صبيٍّ
لها فجلس على فخذه، ففزعت المرأة لئلا يقتله انتقاماً منهم، فقال خبيب: "
أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى "، فقد كان خبيب رضي
الله عنه قادرأ على أن يقتل هذا الصبي انتقاما منهم قبل قتله لكنه لم يفعل،
لأنه تربَّى في مدرسة النبوة على الوفاء وعدم الغدر، فترفع عن مقابلة
الغدر بالغدر.
وكرامات أولياء الله تعالى واضحةً في قصة خبيب رضي الله
عنه، فقطْف العنب عنده وهو أسير مُقيَّد كرامة من الله عز وجل، إذ لا يوجد
في مكة عنب، والمرأة المشركة فوجئت بعنقود من العنب يأكله خبيب رضي الله
عنه فقالت: " ما رأيت أسيرا خيراً من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما
بمكة ثمرة وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزقا رزقه الله إياه " .
وكذلك
موقف خبيب رضي الله عنه وصلاته ركعتين قبل مقتله مشروعية صلاة ركعتين عند
ذلك، ففي رواية أبي هريرة رضي الله عنه لهذه الحادثة أن خبيباً رضي الله
عنه صلى ركعتين قبل قتله، وقال أبو هريرة: ( وكان خُبَيْبٌ هو سَنَّ لكلِّ
مُسلمٍ قُتِلَ صَبْرًا ).
ففي صلاة خبيب رضي الله عنه ركعتين عند قتله
مشروعية وسُنية ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم بما حدث مع خبيب
رضي الله عنه وما فعله من صلاة ركعتين أقرَّ هذا الفعل ولم ينكره، فصارت
صلاة هاتين الركعتين مشروعة عند القتل.
وفي موقف خبيب رضي الله عنه
إشارة ودلالة على عظم حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال سعيد
بن عامر: " شهدت مصرع خبيب وقد بضعت قريش لحمه ثم حملوه على جذعة فقالوا:
أتحب أن محمدًا مكانك؟، فقال: والله ما أحب أني في أهلي وأن محمدًا شيك
بشوكة "، حتى قال أبو سفيان رضي الله عنه قبل إسلامه: "ما رأيت أحدا يحب
أحدا كحب أصحاب محمدٍ محمدا".

إرسال تعليق