هو صُدَيُّ بنُ عجلان بن وهب، وقيل: صُدَيُّ بنُ عجلان بن عَمْرو، أبو أمامة، غلبت علي كنيته فهو مشهور بها.
مواقفه مع النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته
بعثه
رسول الله إلى قومه (باهلة) يدعوهم إلى الله عز وجل، ويعرض عليهم شرائع
الإسلام، فرفضوا منه وكان له معهم قصة عجيبة، ويروي الواقعة أبوغالب صاحب
أبي أمامة عن أبي أمامة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوم
أدعوهم إلى الله وإلى رسوله وأعرض عليهم شرائع الإسلام فأتيتهم وقد سقوا
إبلهم واحتلبوها وشربوا فلما رأوني قالوا: مرحبا بصدي بن عجلان، قالوا:
بلغنا أنك صبوت إلى هذا الرجل، قال: قلت: لا ولكني آمنت بالله ورسوله
وبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم أعرض عليكم الإسلام وشرائعه،
قال: فبينا نحن كذلك، إذ جاءوا بقصعة من دم فوضعوها، واجتمعوا عليها
يأكلونها، قال: قالوا هلم يا صدي، قال: قلت ويحكم إنما أتيتكم من عند من
يحرم هذا عليكم، بما أنزله الله عليه، قالوا: وما ذاك؟، قال: فتلوت عليهم
هذه الآية: حُرمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ
وَمَا أُهِل لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ
وَالْمُتَرَديَةُ وَالنطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السبُعُ إِلا مَا ذَكيْتُمْ
وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ
فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ
تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا
فَمَنِ اضْطُر فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِن اللّهَ
غَفُورٌ رحِيمٌ (المائدة3)، قال: فجعلت أدعوهم إلى الإسلام ويأبون علي،
فلما أطال الحديث معهم، ويئس منهم، قال لهم: ويحكم اسقوني شربة من ماء فإني
شديد العطش، قالوا: لا ولكن ندعك حتى تموت عطشًا، وكان عليه عباءة، يقول:
فاغتممت وضربت برأسي في العباءة، ونمت في الرمضاء في حر شديد، قال: فأتاني
آتٍ في منامي بقدح زجاج لم ير الناس أحسن منه، وفيه شراب لم ير الناس شرابا
ألذ منه، فأمكنني منها فشربتها، فحيث فرغت من شرابي استيقظت، يقول: وقد
عظم بطني، فلما رآه القوم قد استيقظ قال رجل منهم: أتاكم رجل من خياركم
وأشرافكم فرددتموه، اذهبوا إليه فأطعموه من الطعام والشراب ما يشتهي، يقول:
فأتوني بطعام، قال: لا حاجة لي في طعامكم وشرابكم، فإن الله قد أطعمني
وسقاني، فانظروا إلى حالتي التي أنا عليها، ثم أظهر لهم بطنه، فلما رأوها
مملوءة، وليس به عطش ولا جوع، قالوا له: ماذا حدث يا أبا أمامة، فحكى لهم
ما رآه في منامه، فأسلموا جميعًا، يقول: فآمنوا بي وبما جئتهم من عند رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وفاز أبو أمامة بشربة يقول عنها: فلا والله ما
عطشت ولا غرثت (جعت) بعد تلك الشربة.
ويقول أبو أمامة الباهلي أن
رسول الله مر به وهو يحرك شفتيه، فقال: "ماذا تقول يا أبا أمامة"، قال:
أذكر ربي تعالى، قال: "أفلا أخبرك بأكبر وأفضل من ذكر الليل مع النهار
والنهار مع الليل تقول: سبحان الله عدد ما خلق، وسبحان الله ملء ما خلق،
وسبحان الله عدد ما في الأرض والسماء, وسبحان الله ملء ما في الأرض
والسماء، وسبحان الله عدد ما أحصى كتابه، وسبحان الله ملء ما أحصى كتابه،
وسبحان الله عدد كل شيء، وسبحان الله ملء كل شيء، وتقول الحمد لله مثل
ذلك".
ظل أبو أمامة ملازمًا النبي صلى الله عليه وسلم في جميع
غزواته، لا يتخلف عن غزوة، ولا يتقاعس عن جهاد، وشارك رضي الله عنه في جميع
الحروب مع خلفاء الرسول، وكان رضي الله عنه من طلاب الشهادة في سبيل الله،
ملحا عليها ابتغاء رضوان الله، وروى رجاء بن حَيْوة، عن أبي أُمامة: أنشأَ
رسول الله غزوًا فأتيتُه فقلت: «يا رسولَ الله أُدعُ الله لي بالشهادةِ»،
فقال: «اللهم سَلَّمْهُم، وغَنِّمْهُم»، قال: «فغزَونا، وسلِمنا، وغنِمنا،
ثم أتيتُه بعد ذلك»، فقلت: «يا رسولَ الله مرني بعملٍ آخذُه عنك، ينفعني
الله عزَّ وجلَّ به»، قال: «عليكَ بالصوم فإنَّه لا مِثْل له»، قال: «فكان
أبو أمامة، وامرأته، وخادمه لا يُلْقَون إلا صيامًا، فإذا رأَوا نارًا أو
دُخَانًا بالنهَار في منزلهم عَرَفوا أنه قد اعْتَراهم ضَيفٌ»، قال: ثمَّ
أتيتُه بعد ذلك فقلتُ: «يا رسولَ الله إنكَ قد أمرتَني بأمر وأرجو أن يكُون
الله عزَّ وجلَّ قد نفَعني به، فمُرني بأمرٍ آخرَ ينفعُني الله عزَّ وجلَّ
به»، قال: «اعلم أَنك لا تسجُد لله عزَّ وجلَّ سجدةً إلا رفعَ الله عزَّ
وجلَّ لكَ بها درجةً، أو حطَّ بها عَنك خطيئة».
وكان رضي الله عنه
يسعى صادقًا ليحصل شرف الجهاد في سبيل الله، وفي يوم بدر أراد أن يخرج مع
رسول الله فقال له خاله أبو بردة بن نيار: ابق مع أمك العجوز، لتقض حاجتها،
فقال له أبو أمامة: بل ابق أنت مع أختك. وظل كل منهما يريد أن يخرج مع
رسول الله للجهاد، فاحتكما إلى رسول الله في ذلك، فأمر رسول الله أبا أمامة
أن يبقى مع أمه.
وروى أبو اليمان الحمصيّ، عن أبي أُمَامة أنّه كان
يحدَّث الحديثَ كالرجل الّذي عليه يُؤدَّى ما سُمِعَ، وروى عبد الله بن
صالح، عن الحسن بن جابر أنّه سأل أبا أُمَامة الباهليّ عن كتاب العلم فقال:
«لا بَأسَ بذلك أو ما أدري به بأسًا»، وقال سليمان بن حبيب المحاربي:
«دخلت مسجد حمص، فإِذا مكحول وابن أَبي زكرياءَ جالسان»، فقال مكحول: «لو
قمنا إِلى أَبي أَمامة صاحب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فأَدينا من
حقه، وسمعنا منه»، قال: «فقمنا جميعًا، حتى أَتيناه، فسلمنا عليه، فرد
السلام»، ثم قال: «إن دُخُولكم عَلَيَّ رحمةٌ لكم وحُجَّةٌ عليكم، ولم أَر
رَسُولَ اللّه صَلَّى الله عليه وسلم من شيء أَشَدَّ خوفًا على هذه الأُمة
من الكذب والعصبية، أَلا وإِياكم والكذبَ والعَصَبِيَّة، أَلا وإِنه أَمرنا
أَن نُبَلِّغكم ذلك عنه، أَلا وقد فعلنا فأَبلغوا عنا ما بلغناكم».
عن
سليم بن عامر قال: جاء رجل إلى أبي أمامة فقال: يا أبا أمامة إني رأيت في
منامي الملائكة تصلي عليك كلما دخلت وكلما خرجت وكلما قمت وكلما جلست, قال
أبو أمامة: اللهم غفرًا دعونا عنكم وأنتم لو شئتم صلت عليكم الملائكة ثم
قرأ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا *
وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ
وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ
بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 41- 43].
وروت مولاة لأبي
أُمَامةَ البَاهِلي قالت: «كان أبو أُمَامة رجلًا يُحبُّ الصدقة، ويَجمعُ
لها من بين الدينارِ، والدرهمِ، والفلوس، وما يأكلُ حتى البصلة ونحوها، ولا
يقفُ به سائلٌ إلا أعطاهُ ما تهيأَ له؛ حتى يضعَ في يدِ أحدِهم البصلةَ،
قالت: فأصبحنا ذاتَ يومٍ وليسَ في بيته شيءٌ من الطعامِ لذلك ولا لنا، وليس
عندَه إلا ثلاثةُ دنانير، فوقف بهِ سائلٌ فأعطاهُ دينارًا، ثم وقف بهِ
سائلٌ فأعطاهُ دينارًا، ثم وقف بهِ سائلٌ فأعطاهُ دينارًا، قالت: فغضبْتُ
وقلت: لم يبقَ لنا شيءٌ، فاستلقَى على فراشهِ، وأغلقتُ عليه بابَ البيت حتى
أذَّن المؤذنُ للظهرِ، فجئتُه فأيقظتهُ فراحَ إلى مسجدهِ صائمًا، فرقَقتُ
عليهِ فاستَقرضتُ ما اشتَريتُ به عَشاء، فهيَّأتُ سِرَاجًا، وعَشًاء،
ووضَعتُ مَائدة، ودنوتُ من فراشِه لأُمهِده له؛ فرفَعتُ المِرْفقةَ فإذا
بذَهَبٍ، فقلتُ في نفسِي: مَا صنعَ إلا ثقَة بما جاء به، قالت: فعدَدتُها
فإذا ثلاثمائة دينار، فتركتُها على حالِها حتى انصَرف على العَشاء، قالت:
فلما دخلَ ورأى ما هيَّأتُ له حَمِد الله تعَالى وتبسَّم في وجهِي، وقال:
هذا خيرٌ مِن غيره، فجلسَ فتعشَّى، فقلتُ: يغفِرُ الله لك، جئتَ بما جئتَ
به ثُم وضعتَه بموضعِ مضيعةٍ، فقال: وما ذاكَ؟ فقلتُ: ما جئتَ به من
الدنَانير، ورَفعْتُ المِرفَقةَ عنهَا، ففَزِع لِما رَأى تحتَها، وقال:
ويحَك ما هذا؟! فقلتُ: لا عِلم لي بهِ إلا أَني وجدتُه علَى مَا ترَى،
قالت: فكثُر فَزعهُ رحِمهُ الله ورَضي عَنه.».
وعن أبي أمامة
الباهلي عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا ورجل من قريش إلى هرقل
ندعوه إلى الإسلام، فنزلنا على جبلة فدعوناه إلى الإسلام، فإذا عليه ثياب
سواد، فسأله عن ذلك قال: حلفت ألا أنزعها حتى أخرجكم من الشام، قال: فقلنا
له: والله لنأخذن مجلسك هذا، ولنأخذن منك الملك الأعظم أخبرنا بهذا نبينا،
قال: لستم بهم, ثم ذكر قصة دخولهم على هرقل واستخلائهم، فأخرج لهم ربعة
فيها صفات الأنبياء إلى أن أخرج لهم صورة محمد فإذا هي بيضاء، فقال:
أتعرفون هذا؟ قال: فبكينا، وقلنا: نعم، فقام قائمًا ثم جلس فقال: والله إنه
لهذا قلنا: نعم قال: فأمسك ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت ولكني عجلته
لأنظر ما عندكم, ثم قال: لو طابت نفسي بالخروج من ملكي لوددت أني كنت عبدًا
لأسدكم في ملكه حتى أموت, قال: فلما رجعنا حدثنا أبا بكر فبكى ثم قال: لو
أراد الله به خيرًا لفعل، ثم قال: أخبرنا رسول الله أنهم واليهود يعرفون
نعت النبي.
خرج أبو أمامة الباهلي، وأبو الدرداء، فدخلا على معاوية
وكانا معه، فقالا: «يا معاوية: علام تقاتل هذا الرجل، فوالله لهو أقدم منك
سلما، وأحق بهذا الأمر منك، وأقرب من النبي صلى الله عليه وسلم، فعلام
تقاتله؟»، فقال: «أقاتله على دم عثمان، وأنه آوى قتلته، فقولوا له فليقدنا
من قتلته، فأنا أول من بايعه من أهل الشام.»، فانطلقوا إلى علي فأخبروه
بقول معاوية، فقال: «هم الذين ترون».
وفاته رضي الله عنه
وسكن
أبو أمامة مصر، ثم انتقل منها فسكن حمص من الشام. وقال ابْنُ سَعْدٍ: سكن
الشّام، وروى الفضل بن دُكين، عن أبي غالب قال: رأيتُ أبا أُمَامة يصفّر
لحيته.
مات أبو أمامة الباهلي سنة ست وثمانين، وقيل: سنة إحدى وثمانين،
وأخرج البخاري في تاريخه من طريق حميد بن ربيعة: رأيت أبا أمامة خرج من عند
الوليد بن عبدالملك في ولايته سنة ست وثمانين، وقال ابن عيينة: هو آخر من
مات من الصحابة بالشام.
يقول سعيد الأزدي: شهدت أبا أمامة وهو في
النزع، فقال لي يا سعيد إذا أنا مت فافعلوا بي كما أمرنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم، قال لنا إذا مات أحدكم فنثرتم عليه التراب، فليقم رجل منكم
عند رأسه ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمع ولكنه لا يجيب، ثم ليقل:
يا فلان ابن فلانة، فإنه يستوي جالسًا، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه
يقول: أرشدنا يرحمك الله، ثم ليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن
لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربًا، وبمحمد
نبيًا، وبالإسلام دينًا، فإنه إذا فعل ذلك قال منكر ونكير: اخرج بنا من عند
هذا، ما نصنع به، وقد لقن حجته، قيل يا رسول الله فإن لم أعرف أمه، قال:
انسبه إلى حواء.
وقال سفيان بن عُيينة: كان أبو أمامة الباهليَّ آخر
من بقي بالشّام من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال أبو
عمر: قد بقي بالشّام بعده عبد الله بن بُسْر، هو آخرُ من مات بالشّام من
أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

إرسال تعليق