هو غالب بن عبد الله الكناني الليثي, ويقال: الكلبي, ولا فرق بينهما فإن كلبًا بطن من ليث.
قال البخاري: له صحبة.
ومن
أهم صفاته الفروسية، والإقدام، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث
به؛ فقد أرسله ليسهل له الطريق يوم فتح مكة، كما ورد في بعض الروايات،
وجعله قائدًا على أكثر من سرية.
روى الإمام أحمد بسنده عن جندب بن
مكيث الجهني قال: بعث رسول الله، غالب بن عبد الله الكلبي كلب ليث -أي أن
كلب بطن من ليث- إلى بني ملوح بالكديد وأمره أن يغير عليهم فخرج فكنت في
سريته فمضينا حتى إذا كنا بقديد لقينا به الحارث بن مالك وهو ابن البرصاء
الليثي فأخذناه فقال: إنما جئت لأسلم فقال غالب بن عبد الله: إن كنت إنما
جئت مسلمًا فلن يضرك رباط يوم وليلة وإن كنت على غير ذلك استوثقنا منك قال:
فأوثقه رباطًا ثم خلف عليه رجلاً أسود كان معنا فقال: امكث معه حتى نمر
عليك فإن نازعك فاجتز رأسه..
قال: ثم مضينا حتى أتينا بطن الكديد فنزلنا
عشيشية بعد العصر فبعثني أصحابي في ربيئة فعمدت إلى تل يطلعني على الحاضر
فانبطحت عليه وذلك المغرب فخرج رجل منهم فنظر فرآني منبطحا على التل فقال
لامرأته: والله إني لأرى على هذا التل سوادًا ما رأيته أول النهار فانظري
لا تكون الكلاب اجترت بعض أوعيتك قال: فنظرت، فقالت: لا والله ما أفقد
شيئًا قال: فناوليني قوسي وسهمين من كنانتي قال: فناولته فرماني بسهم فوضعه
في جنبي قال: فنزعته فوضعته ولم أتحرك ثم رماني بآخر فوضعه في رأس منكبي
فنزعته فوضعته ولم أتحرك فقال لامرأته: والله لقد خالطه سهماي ولو كان دابة
لتحرك فإذا أصبحت فابتغي سهمي فخذيهما لا تمضغهما علي الكلاب..
قال:
وأمهلناهم حتى راحت رائحتهم حتى إذا احتلبوا وعطنوا أو سكنوا وذهبت عتمة من
الليل شننا عليهم الغارة فقتلنا من قتلنا منهم واستقنا النعم فتوجهنا
قافلين وخرج صريخ القوم إلى قومهم مغوثا وخرجنا سراعًا حتى نمر بالحارث ابن
البرصاء وصاحبه فانطلقنا به معنا وأتانا صريخ الناس فجاءنا ما لا قبل لنا
به حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلا بطن الوادي أقبل سيل حال بيننا وبينهم
بعثه الله تعالى من حيث شاء ما رأينا قبل ذلك مطرًا ولا حالاً فجاء بما لا
يقدر أحد أن يقوم عليه فلقد رأيناهم وقوفًا ينظرون إلينا ما يقدر أحد منهم
أن يتقدم ونحن نحوزها سراعًا حتى أسندناها في المشلل ثم حدرناها عنا
فأعجزنا القوم بما في أيدينا.
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي
أيضًا إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك في صفر سنة ثمان وكانت هذه السرية
ضمن السرايا التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة من
الهجرة، بعد أن انتهى من غزوة "خيبر" ودحر وإجلاء اليهود، فتفرغ رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - للأعراب الذين كانوا ما يفتأون يحنثون بالعهود،
ويغيرون على صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الفينة والفينة،
ويقتلون منهم، ولا يتورعون عن أعمال السلب والنهب في أرجاء شبه جزيرة
العرب.
فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير من حملات التأديب
والترهيب لتلك القبائل المتناثرة في بطون الصحراء، والذين كانوا يستغلون
انشغال المسلمين بمعاركهم الكبرى مع اليهود، وقريش، ويغيرون على أطراف
المدينة، في مناوشات أقرب ما تكون لحرب العصابات، حيث يصعب الإمساك بهم
ومطاردتهم بعدها، وكان آخر محاولاتهم لذلك ما قامت به قبائل "غطفان" التي
حاولت مناوشة المسلمين في المدينة، فسار إليهم رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - في أربعمائة أو سبعمائة من أصحابه في غزوة سميت بـ"ذات الرقاع" ردًا
على تلك الهجمات المتكررة، وأرسل بعدها عددًا من السرايا الترهيبية
المتعاقبة لبطون تلك القبائل من الأعراب، بث بها رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - الخوف في قلوب "غطفان" وغيرها من تلك القبائل، وكان منها تلك
السرية في رمضان.
وقد اختلفت الروايات في شأن من وقعت عليهم الغزوة،
فبعض كتاب السير والمغازي يرجح أنها كانت إلى بني عوال، وبني عبد بن ثعلبة
بالميفعة، وقال آخرون أنها كانت إلى الحرقات من جهيمة، وسار غالب في مائة
وثلاثين رجلًا، وقيل في مائتين، وجاء في أحداثها: "... فلمَّا دنا غالب
منهم بعث الطلائع، فبعث "علبة بن زيد" في عشرة ينظر إلى جماعة محالهم، حتى
أوفى على جماعة منهم، ثُمَّ رجع إلى غالب، فأخبره، فأقبل غالب فقام في
أصحابه فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثُمَّ قال: "أمَّا بعد، فإني
أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وأن تطيعوني ولا تخالفوا لي أمرًا،
فإنَّه لا رأي لمن لا يُطاع"، ثُمَّ ألَّف بينهم فقال: "يا فلان أنت وفلان،
يا فلان أنت وفلان، لا يفارق كُلّ رجل زميله".
فلمَّا كان قرب الفجر
انقضوا عليهم في هجوم فجري خاطف، فارتبك الأعراب بادئ الأمر، إلاَّ أنَّهم
تمالكوا أنفسهم بعضًا من الوقت حيث أبدوا بعض المقاومة، فخرج الرجال
فقاتلوا ساعة، وكان منهم رجل من أشدِّهم، فكان إذا شاء أن يقصد إلى رجل من
المسلمين، قصد له فقتله، حتَّى أوجع في المسلمين، غير أنَّ قوة وتنظيم
المسلمين في هجومهم المباغت، وهول المفاجأة من ذلك الهجوم الفجري غير
المتوقَّع أفقد الأعراب توازنهم، فانهزموا هاربين، ووضع المسلمون سيوفهم
فيهم حيث شاءوا.
وجاء في بعض روايات هذه السرية أن أسامة بن زيد - رضي
الله عنه - قتل "مرداس بن نهيك" فيها بعد أن قال: لا إله إلا الله، وتأول
أسامة ذلك خوف السيف.
فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: هلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق أم كاذب؟!
وفي بعض الروايات: فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يزيده على أن يقول: "كيف تصنع بلا إله إلاَّ الله إذا جاءت يوم القيامة؟!".
قال أُسامة: "فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم".
عن
غالب بن عبد الله الليثي؛ قال: بعثني النبي صَلَّى الله عليه وآله وسلم
عام الفتح بين يديه لأسهل له الطريق، ولأكونَ له عَيْنًا، فلقيني على
الطريق لقاح بني كنانة، وكانت نحوًا من ستة آلاف لقحة، وأن النبي صَلَّى
الله عليه وآله وسلم نزل فحلبْتُ له، فجعل يَدْعو الناس إلى الشراب، فمَنْ
قال إني صائم قال: "هؤلاء العاصون".
وقال ابن منده وأبو نعيم وأبو عمر: أنه شهد فتح مكة وسهل لهم الطريق.
وقال ابن الكلبي: إن رسول الله بعثه إلى بني مرة بفدك فاستشهد دون فدك. والله أعلم.

إرسال تعليق