نسبه
ولد أبو عبد الرحمن المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف
بن زهرة القرشي سنة 2هـ في مكة، وكان أبوه مخرمة بن نوفل من سادات بني
زُهرة بن كلاب، وأم المسور عاتكة بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف، ممن أسلمت
وهاجرت، وقدمت به المدينة في عقب ذي الحجة سنة ثمانٍ، وشهد عام الفتح وهو
ابن ست سنين، وتوفي النبي وهو ابن ثماني سنين.
بعد وفاة النبي صلى الله
عليه وسلم، بقيت أسرته في المدينة، ولزم المسور عمر بن الخطاب يحفظ عنه
ويتعلم منه. ولما بدأت حملات الفتوح الإسلامية، شارك المسور في فتوحات
العراق وفارس، وكان ممن شاركوا في معركة القادسية. وبعد الفتوح، عاد المسور
إلى المدينة، أقام به، ولازم خاله عبد الرحمن بن عوف في ليالي الشورى التي
حدّدها عمر بن الخطاب للستة الذين اختارهم للخلافة ليختاروا أحدهم فيما
بينهم.
مواقفه مع النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته
كانت له
مواقف مع رسول الله؛ عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن المسور بن مخرمة قال:
أقبلت بحجر أحمله ثقيل وعليَّ إزار خفيف، قال: فانحل إزاري ومعي الحجر لم
أستطع أن أضعه حتى بلغت به إلى موضعه، فقال رسول الله: "ارجع إلى ثوبك
فخذه، ولا تمشوا عراة".
وله مواقف كثيرة مع الصحابة رضوان الله
عليهم، ومن هذه المواقف وقوفه مع عبد الله بن الزبير؛ حتى يتصالح مع خالته
أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها.
جاء في الدر المنثور أن عائشة
-رضي الله عنها- حدثت: أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته
عائشة: والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها. فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا:
نعم. قالت عائشة: فهو لله نذر أن لا أكلم ابن الزبير كلمة أبدًا.
فاستشفع
ابن الزبير بالمهاجرين حين طالت هجرتها إياه، فقالت: والله لا أشفع فيه
أحدًا أبدًا ولا أحنث نذري الذي نذرت أبدًا. فلما طال على ابن الزبير، كلم
المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وهما من بني زهرة،
فقال لهما: أنشدكما الله إلا أدخلتماني على عائشة؛ فإنها لا يحل لها أن
تنذر قطيعتي. فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين عليه بأرديتهما حتى
استأذنا على عائشة، فقالا: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، أندخل؟
فقالت عائشة: ادخلوا. قالوا: أكلنا يا أم المؤمنين؟ قالت: نعم، ادخلوا
كلكم.
ولا تعلم عائشة أن معهما ابن الزبير، فلما دخلوا دخل ابن الزبير
في الحجاب واعتنق عائشة وطفق يناشدها ويبكي، وطفق المسور وعبد الرحمن
يناشدان عائشة إلا كلمته وقبلت منه، ويقولان: "قد علمت أن رسول الله نهى
عما قد علمت من الهجر، وأنه لا يحل للرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال".
فلما أكثروا التذكير والتحريج، طفقت تذكرهم وتبكي وتقول: إني قد نذرت
والنذر شديد. فلم يزالوا بها حتى كلمت ابن الزبير، ثم أعتقت بنذرها أربعين
رقبة لله، ثم كانت تذكر بعدما أعتقت أربعين رقبة فتبكي حتى تبل دموعها
خمارها.
ومن مواقفه مع عمر بن الخطاب "عن المسور بن مخرمة أنه دخل
هو وابن عباس على عمر بن الخطاب فقالا: الصلاة يا أمير المؤمنين بعد ما
أسفر. فقال: نعم، لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة. فصلى والجرح يثعب
دمًا".
واجتمعت جماعة فيما حول مكة في الحج وحانت الصلاة، فتقدم رجل من
آل أبي السائب أعجمي اللسان. قال: فأخره المسور بن مخرمة وقدَّم غيره، فبلغ
عمر بن الخطاب فلم يعرفه بشيء حتى جاء المدينة، فلما جاء المدينة عرفه
بذلك، فقال المسور: أنظرني يا أمير المؤمنين أن الرجل كان أعجمي اللسان،
وكان في الحج، فخشيت أن يسمع بعض الحاج قراءته فيأخذ بعجمته. فقال: هنالك
ذهبت بها. فقال: نعم. فقال: قد أصبت.
ومن مواقفه مع مروان بن الحكم
عن أم بكر أن مروان دعا المسور بن مخرمة يشهده حين تصدق بداره على عبد
الملك، قال: فقال المسور: وترث فيها العبسية؟ قال: لا. قال: فلا أشهد. قال:
ولم؟ قال: إنما أخذت من إحدى يديك فجعلته في الأخرى. فقال: وما أنت وذاك،
احكم أنت إنما أنت شاهد. فقال: وكلما فجرتم فجرة شهدت عليها. قال عبد
الملك: والعبسية كانت امراة مروان.
ودخل المسور بن مخرمة على مروان فجلس
معه وحادثه، فقال المسور لمروان في شيء سمعه: بئس ما قلت! فركضه مروان
برجله، فخرج المسور. ثم إن مروان نام فأتي في المنام فقيل له: ما لك
وللمسور {كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ
هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً} [الإسراء: 84]. قال: فأرسل مروان إلى المسور، فقال:
إني زجرت عنك في المنام، وأخبره بالذي رأى. فقال المسور: لقد نهيت عنه في
اليقظة والنوم، وما أراك تنتهي.
ومن مواقفه مع علي بن الحسين حينما
قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية بعد مقتل الحسين بن علي رضي الله
عنهما لقي المسور بن مخرمة علي بن الحسين فقال له: هل لك إليَّ من حاجة
تأمرني بها؟ قال: فقلت له: لا. قال له: هل أنت معطي سيف رسول الله؟ فإني
أخاف أن يغلبك القوم عليه، وايم الله لئن أعطيتنيه لا يخلص إليه أبدًا حتى
تبلغ نفسي، إن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة، فسمعت رسول الله
وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا، وأنا يومئذٍ محتلم، فقال: "إن فاطمة
مني، وإني أتخوف أن تفتن في دينها".
قال: ثم ذكر صهرًا له من بني عبد
شمس، فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن، قال: "حدثني فصدقني، ووعدني فأوفى
لي، وإني لست أحرِّم حلالاً ولا أحل حرامًا، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول
الله وبنت عدو الله مكانًا واحدًا أبدًا".
وعن أم بكر بنت المسور.
عن أبيها. قال: لما ولى عبد الرحمن بن عوف الشورى. قلت: إن تركي خالي وقد
تحمل أمر المسلمين خطأ. فلزمته لزوما لم أكن ألزمه. ولم يك شيئا أحب إلي من
أن يليها عبد الرحمن أو سعد.
فخرجت يوما فأدركني عمرو بن العاص فناداني: يا مسور. يا مسور.
فأقبلت
عليه فقال: ما ظن خالك بالله إن ولى أحدا وهو يعلم أنه خير ممن يولي؟ قال
المسور: فقال لي شيئا أشتهيه. فجئت عبد الرحمن بن عوف فوجدته مضطجعا في رش
دار المال واضعا إحدى رجليه على الأرض.
فقلت له: لو رأيت رجلا قال لي: كذا وكذا. فجلس فقال لي: من هو؟
فقلت:
لا أخبرك. فحلف لا يكلمني إذا. فأخبرته فقال: والله لئن توضع سكين في لبتي
حتى تخرج من سرتي. أحب إلي من أن لا أتبع عمر بن الخطاب.
قال: وطرقني
عبد الرحمن في صبح الليلة التي بويع فيها عثمان. فقال لي: يا ابن أختي
اكفني هذه الناحية يعني المهاجرين وأكفيك هذه الناحية يعني الأنصار وادع
عليا وعثمان. وكنت أحب عليا. فقلت بأيهما أبدأ؟ قال: بأيهما شئت. فجئت عليا
فقلت: إن خالي يدعوك يقول: وافني في دار المال. فقال: أرسلك إلى أحد معي؟
قلت: عثمان.
قال: بأيهما أمرك أن تبدأ؟ قلت: قد سألته. فقال: بأيهما
شئت. قال: ثم ذهبت إلى عثمان. فقلت: إن خالي يدعوك. فقال لي عثمان: أرسلك
إلى أحد معي؟ فقلت: علي. فقال: بأيهما أمرك أن تبدأ؟ فقلت: قد قلت له.
فقال: بأيهما شئت. وقلت له: يقول لك وافني في دار المال. قال:
ووعدهم
دار المال إلى من جمع. قال: فدخلت معهم. ووالله ما في الدار رجل إلا من
المهاجرين الأولين غيري. قال: فذاك حين شاورهم واجتمع على بيعة عثمان
فبايعوه جميعا.
وفاته رضي الله عنه
عن أم بكر بنت المسور، وأبي
عون، قالا: أصاب المسورَ بن مخرمة حَجَرٌ من المنجنيقِ ضَرَبَ البَيْتَ،
فانفلق منه فلقةٌ، فأصابت خَدَّ المسور وهو قائم يصلّي، فمرض منها أيامَا،
ثم هَلَكَ في اليوم الذي جاء فيه نعي يزيدُ بن معاوية بمكة، وابنُ الزبير
يومئذ لا يتسمّى بالخلافة، الأمْرُ شُوْرَى. قال محمد بن عمر: فذكرت ذلك
لشرحبيل بن أبي عون. فقال: أخبرني أبي، قال: قال لي المسور بن مخرمة: يا
مولى عبد الرحمن، صُبَّ لي وَضُوْءًا. فقلت: أين تذهب؟ فقال: إلى المسجد.
فصببت له وَضُوءًا فأسبغ الوضوء، وخرج وعليه درع له خفيفٌ يَلْبَسُها إذا
لم يكن له قتال، فلما بلغ الحِجْرَ قال: خُذْ دِرْعِي. قال: فأخذْتُها
فلبسْتُها، وجلستُ قريبا منه، والحجارة يُرْمى بها البيتُ، وهو يصلي في
الحِجْر، فجئتُ فقمتُ إلى جنبه، فقلْتُ: أي مولاي، إني أرى الحجارة اليوم
كثيرة، فلو لبستَ درعكَ ومِغْفَركَ، أو تحوّلْتَ عن هذا الموضع، أو رجعْتَ
إلى منزلك، فإني لا آمن عليك، فوالله مايُغْني شيئًا إنهم لعالون علينا،
وإنما نحن لهم أغراض. فقال: ويحك، وهل بُدٌّ من الموت على كل حال؟ والله
لأن يموتَ الرجلُ وهو على بَصِيْرَتِهِ نَاكِيًا لعدوّه أو مُبْليًا
عُذْرًا حتى يموتَ؛ أحسن وآجَرُ له من أن يدْخلَ مَدْخَلًا فيُدْخلَ عليه
فيُساق إلى الموتِ فتُضْرَبُ عُنُقه على المذلّة والصَّغَار. ثم قال: هاتِ
دِرْعي، فأخَذَها فَلَبِسَها، وأبى أن يَلْبَسَ المغفَر. قال: وتقبلُ ثلاثة
أحجار من المنجنيق فيضرب الأول الركن الذي يلي الحجر فخرق الكعبة حتى
تغيّب، ثم اتّبعه الثاني في موضعه، ثم اتّبعه الثالث في موضعه، وقد سدّ
الحجرُ الحِجْر، ثم رمي فَنَبَا الحَجَرُ وَتَكَسّرُ منه كِسْرَةٌ فتَضْرِب
خَدَّ المسور وصدْغَه الأيسَرَ فَهَشَمَهُ هَشْمًا، قال: فَغُشِيَ عليه،
واحتملْتُه أنا ومولًى له يُقال له: سُلَيْم. وجاء الخبرُ ابنَ الزبير،
فأقبلَ يَعْدُو إلينا، فكان فيمن يحْمله، وأدْركنا مصعبُ بن عبد الرحمن،
وعبيدُ بنُ عمير، فمكثَ يومه ذلك لا يَتَكَلَّمَ، حتى كان من الليل فأفاقَ،
وعَهِدَ ببعضِ ما يريدُ، وجعل عبيدُ بن عمير، يقولُ: يا أبا عبد الرحمن،
كيف ترى في قتال مَنْ ترى؟ فقال: على ذلك قُتِلْنا. فقال عبيد بن عمير:
ابسط يدك، فضرب عليها عبيد بن عمير، فكان ابن الزبير لا يفارِقُه
يُمَرِّضُه حَتَّى مَاتَ
مات في أول ربيع الأول سنة 64 هـ، وصلى عليه بن الزبير بالحجون.

إرسال تعليق