نسبه وإسلامه
هو بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سعد الأسلمي، يكنى: أبا عبد الله.
أسلم
حين مر به النبي مهاجراً، هو ومن معه، وكانوا نحو ثمانين بيتاً، فصلى رسول
الله العشاء الآخرة فصلوا خلفه، وأقرأه صَدْرًا من سورة مريم، ثمّ قدم
عليه المدينة مهاجرًا بعد أُحُد فتعلّم بقيّة سورة مريم، ثم قدم على رسول
الله بعد أحد، فشهد معه مشاهده، وشهد الحديبية، وبيعة الرضوان تحت الشجرة.
عرف
بالورع والتقوى والجود والكرم والاجتهاد في العبادة والشجاعة وحب الجهاد
فى سبيل الله، ومراقبته لنفسه. وقد شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم له
بالصلاح والخير، وكان أحد الذين استعملهم عليه الصلاة والسلام على الصدقة،
وكتابة الكتب والعهود والمعاملات بين الناس، وعد من كتبة الوحي القرآني،
وجاء بكتب السيرة عن الصديق أنه قال: يا رسول، نعم الرجل بريدة لقومه، عظيم
البركة عليهم،
وروى عبد الله بن بريدة عن أبيه أن النبي عليه
الصلاة والسلام كان يتفاءل ولا يتطير، فركب بريدة في سبعين راكبا من أهل
بيته من بني سهم، فلقي النبي -صلى الله عليه وسلم فقال له: «من أنت»، قال
أنا بريدة، فالتفت عليه الصلاة والسلام إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقال:
«يا أبا بكر برد أمرنا وصلح»، ثم قال لي: «ممن أنت»، فقلت من أسلم، قال
لأبي بكر: «سلمنا»، قال: ثم قال: «من بني من»، قلت: من بني سهم قال:«خرج
سهمك». الهجرة إلى المدينة وأضاف: لزم الرسول صلى الله عليه وسلم، منذ
هجرته إلى المدينة وشهد الغزوات والمشاهد كلها، وشهد الحديبية، وبيعة
الرضوان تحت الشجرة، وخيبر، وأبلى فيها بلاء حسنا، وكان معه لواء أسلم يوم
فتح مكة.
وقال أبو بكر بن عبد الله بن أبي جَهْم: أمر رسول الله بأسارى
المُرَيْسيع فكُتفوا وجُعلوا ناحيةً، واستعمل بُريدةَ بن الحُصيب عليهم.
وقال محمد بن عمر: وعقد رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، في غَزْوَة فتح
مكّة لواءين فحمل أحدَهما بُريدة بن الحُصيب وحمل الأخر ناجية بن الأعجم،
وبعث رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، بُريدة بن الحُصيب على أسلم وغفار
يصدّقهم، وبعثه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، حين أراد غَزْوَةَ تَبوكَ
إلى أسلم يستنفرهم إلى عدوّهم.
وبعد جهاد طويل استقر في مدينة مرو
بخراسان، وقال عنه الذهبي انه: عالم فقيه، علم أهل مرو أمور دينهم، وفقههم
فيه. وتميز بمراقبته لله تعالى وحرصه على نصح الولاة والأئمة
مواقفه مع النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته
عن
عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "جاء إلى رسول الله ، وعليه خاتم من حديد،
فقال: "ما لي رأى عليك حلية أهل النار"؟ ثم جاءه وعليه خاتم من صفر فقال:
"ما لي أجد منك ريح الأصنام"؟ ثم أتاه وعليه خاتم من ذهب، فقال: "ما لي أرى
عليك حلية أهل الجنة"؟ قال: من أي شيء أتخذه؟، قال: "من ورق ولا تتمه
مثقالاً".
وروى عبد الله بن بريدة عن أبيه أن النبي قال له وللحكم بن عمرو الغفاري: "أنتما عينان لأهل المشرق" فقدما مرو، وماتا بها.
عن
بريدة بن الحصيب قال: مررت مع علي إلى اليمن فرأيت منه جفوة فلما قدمت على
رسول الله ذكرت عليًّا فتنقصته، فجعل وجه رسول الله يتغير، فقال: "يا
بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟"، قلت: بلى يا رسول الله، قال: "من
كنت مولاه فعلي مولاه".
قال عبد الله بن بريدة: حدثني أبي بريدة
قال: أبغضت عليًّا لم أبغضه أحدًا قال: وأحببت رجلاً من قريش لم أحبه إلا
على بغضه عليًّا، قال: فبعث ذلك الرجل على خيل فصحبته ما أصحبه إلا على
بغضه عليًّا فأصبنا سبيًا فكتبنا إلى رسول الله أن ابعث إلينا من يخمسه,
فبعث إلينا عليًّا، قال: وفي السبي وصيفة هي من أفضل السبي، فخمس وقسم فخرج
ورأسه يقطر، فقلنا: يا أبا الحسن ما هذا؟ قال: ألم تروا إلى الوصيفة التي
كانت في السبي فإني قسمت وخمست فصارت في الخمس، ثم صارت في أهل بيت النبي
ثم صارت في آل علي فوقعت بها، قال: وكتب الرجل إلى نبي الله، فقلت: ابعثني
فبعثني مصدقًا، قال: فجعلت أقرأ الكتاب وأقول صدق، قال: فأمسك النبي بيدي
والكتاب, قال: "أتبغض عليًّا"، قال: قلت: نعم، قال: "فلا تبغضه وإن كنت
تحبه فازدد له حبًّا فوالذي نفسي بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من
وصيفة"، قال فما كان من الناس أحد بعد قول رسول الله أحب إليّ من علي.
وعن
بريدة بن الحصيب قال: حاصرنا خيبر فأخذ اللواء أبو بكر فانصرف ولم يفتح له
ثم أخذه من الغد عمر فخرج فرجع ولم يفتح له وأصاب الناس يومئذ شدة وجهد،
فقال رسول الله: "إني دافع اللواء غدًا إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله
ورسوله لا يرجع حتى يفتح له"، وبتنا طيبة أنفسنا أن الفتح غدًا قال: فلما
أصبح رسول الله صلى الغداة ثم قام قائمًا فدعا باللواء والناس على مصافهم،
فدعا عليًّا وهو أرمد فتفل في عينيه ودفع إليه اللواء ففتح له، قال بريدة:
وأنا فيمن تطاول لها.
وله موقف مع سلمة بن الأكوع فعندما قدم سلمة
المدينة فلقيه بريدة بن الحصيب فقال: ارتددت عن هجرتك يا سلمة، فقال: معاذ
الله إني في إذن من رسول الله، إني سمعت رسول الله، يقول: "ابدوا يا أسلم
فتنسموا الرياح واسكنوا الشعاب"، فقالوا: إنا نخاف يا رسول الله أن يضرنا
ذلك في هجرتنا، قال: "أنتم مهاجرون حيث كنتم".
روى أبو العلاء بن
الشخّير عن رجلٍ من بكر بن وائل لم يُسَمّه لنا قال: كنتُ مع بُريدة
الأسلميّ بِسِجِسْتَان، قال فجعلتُ أُعَرّضُ بعليّ وعثمان وطلحة والزّبير
لأستخرج رأيَه يبق، قال فاستقبل القبلة فرفع يديه فقال: اللهمّ اغفر لعثمان
واغفر لعليّ بن أبي طالب واغفر لطلحة بن عبيد الله واغفر للزّبير بن
العوّام. قال: ثمّ أقبل عليّ فقال لي: لا أبا لك أتُراك قاتلي؟ قال فقلتُ:
والله ما أردتُ قتلك ولكنّ هذا أردتُ منك، قال: قوم سبقَتْ لهم من الله
سوابق فإن يَشَأ يَغْفِر لهم بما سبق لهم فَعَلَ وإن يَشَأ يُعَذّبهم بما
أحْدَثوا فَعَلَ، حِسابُهم على الله.
وقال عبد الملك: كنت أجالس
بريدة بن الحصيب فقال لي يومًا: يا عبد الملك إن فيك خصالاً وإنك لجدير أن
تلي أمر هذه الأمة فاحذر الدماء، فإني سمعت رسول الله يقول: "إن الرجل
ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها على محجمة من دم يريقه من مسلم بغير
حق".
وفاته رضي الله عنه
ولم يزل بعد وفاة رسول الله صَلَّى الله
عليه وسلم، مقيمًا بالمدينة حتى فُتحت البصرة ومُصّرَت فتحوّل إليها
واختطّ بها ثمّ خرج منها غازيًا إلى خراسان في زمن عثمان ثم تحوّل إلى
مَرْو فسكنها.
قال محمّد بن أبي يعقوب الضّبيّ: حدّثني من سمع بريدة وراء نهْرِ بَلْخَ وهو يقول:
لا عيشَ إلاّ طِرادُ الخيل بالخيل
روى
عاصم الأحْول، عن مورق قال: أوصى بُريدة الأسْلَمي أن توضع في قبره
جريدتان. وكان مات بأدنى خُراسان فلم توجد إلاّ في جوالق حمّار. وتوفّي
بريدة بن الحُصَيْب بخراسان سنة ثلاث وستّين في خلافة يزيد بن معاوية.

إرسال تعليق