هو عياض بن غنم بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن هلال بن وهيب بن ضبة القرشي الفهري وهو ابن عم أبي عبيدة بن الجراح.
وكان من أشراف قريش وقد أسلم عياض قبل صلح الحديبية والذي كان سنة 6ه وشهدها.
كان
سبب فتح الجزيرة أن اهلها طلبوا من ملك الروم إرسال الجنود إلى الشام
ووعدوه بالمساعدة والمعاونة في حالة محاصرتهم للمسلمين، فلما علم عمر بن
الخطاب بموقف اهالي الجزيرة وتقديمهم المساعدة للروم، وعلم بكتاب أبي عبيدة
بن الجراح بمحاصرة الروم ومعهم أهل الجزيرة لحمص، كتب إلى سعد بن ابي وقاص
في الكوفة ليندب الناس مع القعقاع بن عمرو ويرسلهم فوراً إلى أهل الجزيرة،
لأنهم الذين استثاروا الروم على أهل حمص.
وأمر عمر سعداً ان يسرح عبد
الله بن عبد الله بن عتبان إلى نصيبين ثم ليقصد حران والرُّها وان يسرح
الوليد بن عقبة على عرب الجزيرة من ربيعة وتنوخ، وان يسرح عياض بن غنم، فان
كان قتال فأمرهم إلى عياض.
وعملاً بأوامر الخليفة وتعليماته جهز جيش
الكوفة ثلاث حملات لفتح الجزيرة، قاد الحملة الأولى سهل بن عدى ووجهت لفتح
الرقة، حيث تعيش قبائل مضر، وقاد الحملة الثانية عبد الله بن عتبان ووجهت
لفتح نصيبين، وقاد الحملة الثالثة عقبة بن الوليد ووجهت لإخضاع الاجزاء
الأخرى. وعين عياض بن غنم قائداً عاماً لهذه القوة لخبرته في شؤون هذه
البلاد، فقد سبق له ان جاسها.
وبالفعل انسحب اهل الجزيرة من محاصرة حمص
وكانوا حوالي 30 الف مقاتل ليعودوا إلى أراضيهم. وتمكن بعدها المسلمون من
فك الحصار وهزيمة الروم، بعد الاتفاق السري مع عرب قنسرين الذين كانوا
متحالفين مع الروم في الحصار، على أن يهربوا أمام المسلمين في بداية
الهجوم.
كما قاد عياض جيش المسلمين في معركة حلب ضد حاميتها الرومية.
ولما توفي أبو عبيدة استخلفه بالشام وعلى كافة فتوح الجزيرة، فأقره عمر
وقال: ما أنا بمبدل أميراً أمره أبو عبيدة.
فكانت الجزيرة أسهل البلاد
افتتاحا لأن أهلها رأوا أنهم بين العراق والشام وكلاهما بيد المسلمين
فأذعنوا بالطاعة فصالحهم على الجزية والخراج فكانت تلك السهول ممتحنة عليهم
وعلى من أقام بها من المسلمين.
قال عياض بن غنم:
من مبلغ الأقوام أن جموعنا
حوت الجزيرة غير ذات رجام
جمعوا الجزيرة والغياب فنفسوا
عمن بحمــص غيابة القـدام
إن الأعزة والأكارم مـعشر
فضوا الجزيرة عن فراج الهام
غلبوا الملوك على الجزيرة فانتهوا
عن غزو من يأوي بلاد الشام
ومن
أهم صفات عياض بن غنم رضي الله عنه الزهد والورع، فقد روي أنه لما ولي
عياض بن غنم قدم عليه نفر من أهل بيته يطلبون صلته ومعروفه فلقيهم بالبشر
فأنزلهم وأكرمهم فأقاموا أياما ثم سألوه في الصلة وأخبروه بما تكلفوا من
السفر إليه رجاء معروفه فأعطى كل رجل منهم عشرة دنانير وكانوا خمسة فردوها
واستخطوا ونالوا منه فقال: أي بني عم والله ما أنكر قرابتكم ولا حقكم ولا
بعد شقتكم ولكن والله ما خلصت إلى ما وصلتكم به إلا ببيع خادمي وبيع ما لا
غنى لي عنه فاعذروني قالوا: الله ما عذرك الله إنك والي نصف الشام وتعطي
الرجل منا ما جهده أن يبلغه إلى أهله فقال: فتأمروني أن أسرق مال الله
فوالله لأن أشق بالمنشار أو أبرى كما يبرى السفن أحب إلي من أن أخون فلسًا
أو أتعدى وأحمل على مسلم ظلمًا أو على معاهد قالوا قد عذرناك في ذات يدك
ومقدرتك فولنا أعمالاً من أعمالك نؤدي ما يؤدي الناس إليك ونصيب ما يصيبون
من المنفعة فأنت تعرف حالنا وأنا ليس نعدو ما جعلت لنا.
قال والله إني
لأعرفكم بالفضل والخير ولكن يبلغ عمر بن الخطاب أني قد وليت نفرًا من قومي
فيلومني في ذلك ولست أحمل أن يلومني في قليل ولا كثير قالوا قد ولاك أبو
عبيدة بن الجراح وأنت منه في القرابة بحيث أنت فأنفذ ذلك عمر ولو وليتنا
فبلغ عمر فأنفذه فقال عياض: إني لست عند عمر بن الخطاب كأبي عبيدة بن
الجراح وإنما أنفذ عمر عهدي على عمل لقول أبي عبيدة فيّ وقد كنت مستورًا
عند أبي عبيدة فقال فيّ وأعلم مني ما أعلم من نفسي ما ذكر ذلك عني فانصرف
القوم لائمين لعياض بن غنم.
وكان عياض بن غنم رجلاً سمحًا وكان يعطي
ما يملك لا يعدوه إلى غيره لربما جاءه غلامه فيقول ليس عندنا ما تتغدون به
فيقول: خذ هذا الثوب فبعه الساعة فاشتر به دقيقًا فيقول الغلام: سبحان
الله أفلا تقترض خمسة دراهم من هذا المال الذي في ناحية بيتك إلى غد ولا
تبيع ثوبك، فيقول: والله لأن أدخل يدي في جحر أفعى فتنال مني ما نالت أحب
إلي من أن أطمع نفسي في هذا الذي تقول فلا يزال يدفع الشيء بالشيء حتى يأتي
وقت رزقه فيأخذه فيوسع فيه فمن أدركه حين يأخذ رزقه غنم ومن تركه أياما لم
يجد عنده درهمًا واحدًا.
وكان صالحاً فاضلاً سمحاً، وكان يسمى "زاد الركب"، يطعم الناس زاده، فإذا نفذ نحر لهم جمله.
وله
موقف مع هشام بن حكيم فعن شريح بن عبيد الحضرمي وغيره قال: جلد عياض بن
غنم صاحب داريا حين فتحت فأغلظ له هشام بن حكيم القول حتى غضب عياض ثم مكث
ليالي فأتاه هشام بن حكيم فاعتذر إليه ثم قال هشام لعياض: ألم تسمع النبي
يقول إن من أشد الناس عذابًا أشدهم عذابًا في الدنيا للناس فقال عياض بن
غنم: يا هشام بن حكيم قد سمعنا ما سمعت ورأينا ما رأيت أولم تسمع رسول الله
يقول من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية ولكن ليأخذ بيده
فيخلو به فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه له وإنك يا هشام لأنت
الجريء إذ تجترئ على سلطان الله فهلا خشيت أن يقتلك السلطان فتكون قتيل
سلطان الله تبارك وتعالى.
ولما مات عياض بن غنم استخلف الخليفة عمر بن الخطاب على الشام سعيد بن عامر، وكان موت عياض سنة عشرين هجرية وهو ابن 60 سنة.

إرسال تعليق