نسبه
عمران بن حصين بن عبيد بن خلف بن عبد نهم بن سالم بن غاضرة بن سلول
بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة وهو لحي بن حارثة بن عمرو بن
عامر يكنى أبا نجيد داره في سكة اصطفانوس بالبصرة.
فضله ومكانته
عن
مطرف بن عبد الله بن الشخير قال قال لي عمران بن حصين إن الذي كان انقطع
عني قد رجع يعني تسليم الملائكة قال وقال لي اكتمه علي قال أخبرنا عبد
الوهاب بن عطاء العجلي قال أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن مطرف قال
أرسل إلي عمران بن حصين في مرضه فقال إنه كان تسلم علي يعني الملائكة فإن
عشت فاكتم علي وإن مت فحدث به إن شئت.
فعمران بن حصين رضي الله عنه صورة
رضية من صور الصدق، والزهد، والورع، والتفاني في حب الله وطاعته، وإن معه
من توفيق الله ونعمة الهدى لشيئاً كثيراً، ومع ذلك فهو لا يفتأ يبكي،ويبكي،
ويقول:[يا ليتني كنت رماداً، تذروه الرياح] ذلك أن هؤلاء الرجال لم يكونوا
يخافون الله بسبب ما يدركون من ذنب، فقلما كانت لهم بعد إسلامهم ذنوب،
إنما كانوا يخافونه ويخشونه بقدر إدراكهم لعظمته وجلاله، وبقدر إدراكهم
لحقيقة عجزهم عن شكره وعبادته، مهما يضرعوا، ويركعوا، ومهما يسجدوا
ويعبدوا، ولقد سأل أصحاب الرسول يوماً رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقالوا: [يا رسول الله، مالنا إذا كنا عندك رقت قلوبنا، وزهدنا دنيانا،
وكأننا نرى الآخرة رأي العين...حتى إذا خرجنا من عندك، ولقينا أهلنا،
وأولادنا، ودنيانا، أنكرنا أنفسنا؟...] فأجابهم عليه السلام:[و الذي نفسي
بيده، لو تدومون على حالكم عندي، لصافحتكم الملائكة عياناً، ولكن ساعةٌ،
وساعة] و سمع عمران بن حصين هذا الحديث، فاشتعلت اشواقه، وكأنما آلى على
نفسه ألا يقعد دون تلك الغاية الجليلة ولو كلفته حياته ساعةً وساعة، فأراد
أن تكون كلها ساعة واحدة موصولة النجوى والتبتل لرب العالمين.
وفي خلافة
أمير المؤمنين"عمر بن الخطاب"أرسله الخليفة إى البصرة ليفقّه أهلها
ويعلمهم، وفي البصرة حطّ رحاله، وأقبل عليه أهلها مذ عرفوه يتبركون به،
ويستضيئون بتقواه.
وقد شهد غزوات وكان من سادات الصحابة استقضاه عبد
الله بن عامر على البصرة فحكم له بها ثم استعفاه فأعفاه ولم يزل بها حتى
مات فى هذه السنة قال الحسن وابن سيرين البصرى ما قدم البصرة راكب خير منه
وقد كانت الملائكة تسلم عليه فلما اكتوى انقطع عنه سلامهم ثم عادوا قبل
موته بقليل فكانوا يسلمون عليه.
ومن مواقفه مع النبي صلى الله عليه وسلم
قال ابن خزيمة حدثنا رجاء العذري حدثنا عمران بن خالد بن طليق بن محمد بن
عمران بن حصين حدثني أبي عن أبيه عن جده أن قريشًا جاءت إلى الحصين وكانت
تعظمه فقالوا له: كلم لنا هذا الرجل، فإنه يذكر آلهتنا ويسبهم؛ فجاءوا معه
حتى جلسوا قريبًا من باب النبي فقال: "أوسعوا للشيخ" وعمران وأصحابه
متوافرون فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك، إنك تشتم آلهتنا وتذكرهم وقد
كان أبوك حصين خيرًا، فقال: "يا حصين إنَّ أبي وأباك في النار، يا حصين كم
تعبد من إله؟" قال: سبعا في الأرض وواحدًا في السماء، قال: "فإذا أصابك
الضر من تدعو؟" قال: الذي في السماء، قال: "فإذا هلك المال من تدعو؟" قال:
الذي في السماء، قال: "فيستجيب لك وحده وتشركهم معه، أرضيته في الشكر أم
تخاف أن يغلب عليك"، قال: ولا واحدة من هاتين، قال: وعلمت أني لم أكلم
مثله، قال: "يا حصين أسلم تسلم"، قال: إنَّ لي قومًا وعشيرة فماذا أقول؟
قال: "قل اللهم إني أستهديك لأرشد أمري وزدني علما ينفعني"، فقالها حصين
فلم يقم حتى أسلم، فقام إليه عمران فقبل رأسه ويديه ورجليه، فلما رأى ذلك
النبي بكى وقال: "بكيت من صنيع عمران، دخل حصين وهو كافر فلم يقم إليه
عمران ولم يتلفت ناحيته، فلمَّا أسلم قضى حقه فدخلني من ذلك الرقة".
فلما أراد حصين أن يخرج قال لأصحابه: قوموا فشيعوه إلى منزله، فلما خرج من سدة الباب رأته قريش فقالوا صبأ وتفرقوا عنه.
ولما
وقع النزاع الكبير بين المسلمين، بين فريقعلي وفريق معاوية لم يقف عمران
بن حصين موقف الحيدة فحسب، بل راح يرفع صوته بين الناس داعياً إياهم أن
يكفوا عن الاشتراك في تلك الحرب، حاضناً قضية السلام خير محتضن، وراح يقول
للناس: [لأن أرعى أعنزاً حضنيات في رأس جبل حتى يدركني الموت، أحب إلي من
أن أرمي في أحد الفريقين بسهم،أخطأ، أم أصاب]
وكان ممن اعتزل الفتنة ولم
يحارب مع علي. وكان من فقهاء أهل البصرة، وكان عمران بن حصين من فضلاء
الصحابة وفقهائهم يقول عنه أهل البصرة: إنه كان يرى الحفظة وكانت تكلمه حتى
اكتوى
وقال محمد بن سيرين: أفضل من نزل البصرة من أصحاب رسول الله عمران بن حصين وأبو بكرة.
وقال الحسن: لم يسكن البصرة أحد من أصحاب رسول الله أفضل من عمران بن حصين وأبي بكرة.
ومن
فطنته وسرعة بديهته: عن حبيب بن أبي فضالة المالكي قال لما بني هذا المسجد
مسجد الجامع قال: وعمران بن حصين جالس فذكروا عنده الشفاعة فقال رجل من
القوم: يا أبا نجيد إنكم لتحدثونا بأحاديث ما نجد لها أصلاً في القرآن،
فغضب عمران بن حصين وقال للرجل: قرأت القرآن، قال: نعم، قال: وجدت فيه صلاة
المغرب ثلاثًا وصلاة العشاء أربعًا، وصلاة الغداة ركعتين والأولى أربعا
والعصر أربعًا، قال: لا، قال: فعمن أخذتم هذا الشأن ألستم أخذتموه عنا
وأخذناه عن نبي الله أوجدتم في كل أربعين درهما درهم وفي كل كذا وكذا شاة
كذا وفي كل كذا وكذا بعير كذا أوجدتم هذا في القرآن قال لا قال فعمن أخذتم
هذا أخذناه عن نبي الله وأخذتموه عنا قال فهل وجدتم في القرآن وليطوفوا
بالبيت العتيق وجدتم هذا طوفوا سبعا واركعوا ركعتين خلف المقام أوجدتم هذا
في القرآن عمن أخذتموه ألستم أخذتموه عنا وأخذناه عن نبي الله ووجدتم في
القرآن لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام قال لا قال إني سمعت رسول الله
يقول لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام أسمعتم الله يقول لأقوام في
كتابه: {ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين} حتى
بلغ {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} قال حبيب أنا سمعت عمران يقول الشفاعة.
ومن
مواقفه مع الصحابة قال الحسن: تذاكر سمرة وعمران بن حصين فذكر سمرة أنه
حفظ عن رسول الله سكتتين: سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من قراءة ولا
الضالين. فأنكر ذلك عليه عمران بن حصين فكتبوا في ذلك إلى المدينة إلى أبي
بن كعب فكان في جواب أبي بن كعب: أن سمرة قد صدق وحفظ.
وعن أبي قتادة
قال: قال لي عمران بن حصين الزم مسجدك قلت فإن دخل علي قال: فالزم بيتك،
قال: فإن دخل علي بيتي قال: فقال عمران بن حصين: لو دخل علي رجل بيتي يريد
نفسي ومالي لرأيت أن قد حل لي قتاله.
وفاة عمران بن حصين
عن حفص بن النضر السلمي قال: حدثتني أمي عن أمها وهى بنت عمران بن حصين أن عمران بن حصين لما حضرته الوفاة قال: "إذا مت فشدوا علي سريري بعمامتي فإذا رجعتم فانحروا وأطعموا"، وكانت وفاته في سنة اثنتين وخمسين، ودفن بالبصرة.

إرسال تعليق