فتح خراسان
أرسل عمر بن الخطاب جيشًا إلى منطقة خراسان لأنها تقع في وسط الدولة الفارسية، وهناك في خراسان يختبئ يزدجرد الثالث كسرى الفرس في مدينة "مرو الشَّاهِجَان" إحدى مدن إقليم خراسان.
خرج جيش من البصرة إلى خراسان بقيادة الأحنف بن قيس، وقد أراد عمر بن الخطاب أن يختبره؛ فدعاه إلى المدينة، وأبقاه فيها عامًا كاملاً يعطيه أعمالاً ويراقبه فيها، وبعد انتهاء السنة قال له عمر: يا أحنف، إن النبي قد حذرنا من كل منافق عليم، فحاولت اختبارك سنة، ووضعتك تحت عيني فوجدت علانيتك حسنة، وإني لأرجو أن تكون سريرتك مثل علانيتك؛ فاذهب إلى أهل البصرة فإني قد وليتك على جيش من جيوشها، ثم أرسل رسالة إلى أبي موسى الأشعري فقال له: أتاك الأحنف بن قيس سيد قومه، فَخُذْ برأيه، وأَمِّرْه على جيش من الجيوش، وأرْسِلْه إلى خراسان.
كانت أول مدينة واجهت الأحنف بن قيس هي مدينة "هَراة"، ففتحها الأحنف بن قيس، وبعد انتصار الأحنف بن قيس في هراة بدأ بإرسال الجيوش من داخلها؛ فأرسل جيشًا لفتح مدينة سَرَخْس على رأسه الحارث بن حسان، وأرسل مطرف بن عبد الله إلى "نيسابور" وتقع سرخس ونيسابور في الشمال واستطاعوا فتح المدينتان، وتوجه الأحنف بن قيس بباقي الجيش من هراة إلى "مرو الشاهجان" التي فيها يزدجرد، وعندما علم يزدجرد بقدوم جيش المسلمين، ترك في مرو الشاهجان كنزه الذي جمعه من المدائن وحلوان والرَّيِّ وغيرها، ودفنه في مكان لا يعلمه أحد، وتوجه إلى "مَرْو الرُّوذ" على أقصى حدود الدولة الفارسية.
سيطر الأحنف بن قيس على مرو الشاهجان واستخلف عليها حاتم بن النعمان الباهلي، وتوجه بجيشه إلى مرو الروذ، وعلم يزدجرد أن جيش المسلمين قادم من مرو الشاهجان، فهرب إلى مدينة بلخ في أقصى شمال الدولة الفارسية، وبعدها نهر جيحون ووراء هذا النهر الأراضي التركية، وفي الشرق مملكة الصين، وبينهما مملكة الصغد.
أرسل يزدجرد إلى هذه الممالك الثلاثة لينجدوه، وفي هذه الأثناء يستولي الأحنف بن قيس على مرو الروذ ويرسل فرقة إلى بلخ، ويتبعها هو بكامل الجيش بعد السيطرة على مرو الروذ ويصل إلى بلخ، ولم يجد يزدجرد مكانًا يهرب إليه، كما استسلم إقليم طخارستان في شمال الدولة الفارسية، وقد استسلم هذا الإقليم دون قتال، وولَّى عليه الأحنفُ بن قيس ربعيَّ بن عامر. ولم يبق أمام يزدجرد إلا محاربة المسلمين، وفي هذه الأثناء وصلت الرسائل من ملك الترك وملك الصغد وملك الصين، وقد قرر ملك الصغد وملك الترك أن يرسلا مددًا لمساعدة يزدجرد في حربه مع المسلمين.
حوار ملك الصين مع رسول كسري
أما ملك الصين فقد حاور رسول كسرى، فقال للرسول: إن حقًّا على الملوك إنجادُ الملوك على من غلبهم؛ فصِفْ لي هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم، فإني أراك تذكر قلةً منهم وكثرةً منكم، ولا يبلغُ أمثالُ هؤلاء القليل الذين تصف منكم إلا بخير عندهم وشرٍّ فيكم.
فقال الرسول: سلني عما أحببت. فقال ملك الصين: أيوفون بالعهد؟ قلت: نعم. قال ملك الصين: وما يقولون لكم قبل القتال؟ قال الرسول: يدعوننا إلى واحدة من ثلاث: إما دينهم، فإن أجبنا أجرونا مجراهم، أو الجزية والمنعة، أو المنابذة، قال ملك الصين: فكيف طاعتهم أمراءهم؟ قال الرسول: أطوع قوم لمرشدهم.
قال ملك الصين: فما يُحِلُّون وما يحرِّمون؟ فعدَّد عليه الرسول بعض الأمور، وقد أثَّر ما ذكره في ملك الصين، فقال له: هل يحلون ما حرم عليهم، أو يحرمون ما حلل لهم؟ قال الرسول: لا. قال ملك الصين: فإن هؤلاء القوم لا يزالون على ظَفَر حتى يحلوا حرامهم أو يحرموا حلالهم، ثم قال ملك الصين: أخبرني عن لباسهم؟ فشرح له الرسول بساطة ثيابهم. ثم قال ملك الصين: أخبرني عن مطاياهم؟ فقال الرسول: الخيلُ العِرَابُ الأصيلة، ووصفها له، والإبلُ العظيمة ووصفها له.
فكتب ملك الصين إلى يزدجرد: إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجند أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحِقُّ عليَّ، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولُك لو يطاولون الجبال لهدوها، ولو خلا لهم سربهم أزالوني ما داموا على ما وصف، فسالمهم وارضَ منهم بالمساكنة، ولا تهْجُهُم ما لم يهجوك.
تقدم الأحنف بن قيس إلى بلخ ووجد جيش الفرس وفيه يزدجرد، ووصل الأحنف بن قيس قبل وصول جيوش ملك الترك وملك الصغد، وبدأت المعركة والتقى الجيشان وما هي إلا ساعات قليلة حتى عملت السيوف في رقاب الجيش الفارسي، وكان يزدجرد في مؤخرة الجيش، ولما رأى الهزيمة لاذ بالفرار بقلة من جيشه عابرًا النهر داخلاً مملكة الترك. ولم يعبر الأحنف بن قيس إلى مملكة الترك دون أذن من عمر بن الخطاب، وكانت أوامر عمر ألا يتعدَّى نهر جَيْحون حتى وإن هرب يزدجرد خلف هذا النهر، وعاد الأحنف بن قيس إلى مرو الروذ بعد أن ترك بها حامية في بلخ لتحميها.
عودة يزدجرد وخاقان الترك
أما يزدجرد فبعد أن كان ملكًا على مملكة كبيرة أصبح فارًّا مطارَدًا، وفَقَدَ كنزه في مرو الشاهجان، واستنجد بملك الصغد وملك الترك على الجيش الإسلامي، ووافق ملك الترك، وعبرت الجيوش التركية التي تحالفت مع الجيش الفارسي، واضطرت الحامية المرابطة في بلخ إلى الانسحاب إلى الأحنف بن قيس في مرو الروذ؛ لما رأت كثرة عدد الجيش القادم من مملكة الترك، وسيطر يزدجرد والخاقان على بلخ مرة أخرى.
اتجهت الجيوش الفارسية والتركية إلى مرو الروذ لمقابلة الأحنف بن قيس، وعسكرت هذه الجيوش قرب مرو الروذ، فجهز الأحنف بن قيس جيشه لما علم بانسحاب الحامية الإسلامية من بلخ، والتقت الجيوش في معركة في مرو الروذ، فكانت من المعارك الشديدة، واستمرت المعركة أيامًا، وكانت الفلول تأتي من جهات مختلفة، وفي أثناء الليل خرج الأحنف ليلاً ليعرف أخبار جنوده، ولعله يسمع برأي ينتفع به، فمر برجلين ينقيان علفًا، وأحدهما يقول لصاحبه: لو أنا أميرنا أسند ظهرنا إلى هذا الجبل وجعل النهر على يميننا من خلفنا، وكان قتالنا من وجه واحد رجوتُ أن ينصرنا الله. فقد خشي المسلمون الحصار في أرض لا يعرفونها، فسمع الأحنف بن قيس ذلك الرأي وأعجبه، فلما أصبح جمع الناس وقال لهم: إني أرى أن تجعلوا ظهوركم إلى هذا الجبل. ثم قال لهم: أنتم اليوم قليل وعدوكم كثير فلا يَهُولَنَّكم؛ فـ{كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]. بعد الوضع الذي اتخذه المسلمون بدأت الكفة ترجح نسبيًّا للمسلمين فأصبحوا يقاتلون في جهة واحدة.
وفي ليلة من ليالي المعركة خرج الأحنف ومعه فرقة من الجيش طليعةً لأصحابه بين الحدود الفاصلة بين الجيشين، ليعرف كيف ينتصر على هذا الجيش، حتى إذا كان قريبًا من عسكر الخاقان وقف، فلما كان وجه الصبح خرج فارس من الترك بطوقه فضرب بطبلة، وكانت عادة الترك أنهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم أكفاء كلهم يضرب بطبلة، ثم يخرجون بعد خروج الثالث. ثم وقف الفارس من العسكر موقفًا يقفه مثله، فحمل عليه الأحنف فتقاتلا فطعنه الأحنف فقتله وأخذ طوق التركي ووقف، فخرج فارس آخر من الترك ففعل فعل صاحبه، فحمل عليه الأحنف فتقاتلا فطعنه فقتله وأخذ طوقه ووقف، ثم خرج الثالث من الترك ففعل فعل الرجلين، فحمل عليه الأحنف فقتله، ثم انصرف الأحنف إلى عسكره.
خرجت بعد ذلك الجيوش التركية بعد الثالث فأتوا على فرسانهم فوجدوهم قتلى، وكانوا أهل تشاؤم وتفاؤل كالفرس؛ فتشاءم خاقان وتطيَّر، وتسربت الهزيمة إلى قلوب جيشه.
فقال الخاقان: قد طال مقامنا وقد أصيب فرساننا، ما لنا في قتال هؤلاء القوم خير؛ فرجعوا. وارتفع النهار للمسلمين ولم يروا منهم أحدًا، وأتاهم الخبر بانصراف خاقان الترك إلى بلخ، وقيل أن المعركة تمت، وحمل الأحنف بن قيس رايته وانطلق داخل الجيش التركي وأوقع بهم هزيمة رهيبة.
وأثناء القتال ترك يزدجرد الخاقان مقابل المسلمين بمرو الروذ وانصرف بحاميته الفارسية إلى مرو الشاهجان، وكان بها حامية إسلامية صغيرة على رأسها حاتم بن النعمان، وكان الجيش الفارسي أكبر قليلاً من الجيش الإسلامي، فضرب عليهم الحصار، واستطاع يزدجرد ومن معه الدخول إلى مرو الشاهجان بعد انسحاب الحامية الإسلامية، وانكشف بذلك ما اتفق عليه يزدجرد والخاقان، فقد شغل الترك جيش المسلمين في مرو الروذ ليتمكن يزدجرد من الحصول على الكنز المدفون في مرو الشاهجان ثم يعود إلى مملكة الترك.
وصلت الأنباء إلى الأحنف بن قيس وكان الجيش الإسلامي قد حقق انتصاره على الجيش التركي، وسار الأحنف إلى مرو الشاهجان، ولما علم يزدجرد أن الأحنف لحقه وقادم إليه أُسْقِطَ في يده، فهو لم يكن يتوقع أن تأتي إليه الجيوش، بل توقع أنها ستذهب إلى الجيش التركي، فهرب يزدجرد كعادته.
ولما جمع يزدجرد خزائنه، وكانت كبيرة عظيمة، وأراد أن يلحق بخاقان، قال له أهل فارس: أي شيء تريد أن تصنع؟ قال: أريد اللحاق بخاقان فأكون معه أو بالصين، قالوا له: إن هذا رأي سوء، ارجع بنا إلى هؤلاء القوم فنصالحهم؛ فإنهم أوفياء وهم أهل دين، وإن عدوًّا يلينا في بلادنا أحب إلينا من عدو يلينا في بلاده ولا دين له، ولا ندري ما وفاؤهم. فأبى عليهم، فقالوا: دع خزائننا نردها إلى بلادنا ومن يلينا، لا تخرجها من بلادنا. فأبى، فاعتزلوه وقاتلوه فهزموه وأخذوا الخزائن واستولوا عليها وانهزم منهم ولحق بخاقان، وعبر النهر من بلخ إلى فرغانة، وصالح الجنود الفارسيون الأحنف بن قيس على الجزية وأعطوه كنز يزدجرد، فباعه المسلمون بمائة وخمسين مليون درهم، وقسم مائة وعشرين مليون درهم على العشرين ألفًا؛ فكان نصيب الفرد ستة آلاف درهم.
البشري إلى عمر رضي الله عنه
أُرسل إلى عمر بن الخطاب خبر الفتح ومعه ثلاثون مليون درهم، فما كان من عمر بن الخطاب إلا أن جمع الناس وقرأ عليهم كتاب الأحنف بن قيس، ثم خطب خطبة فقال: "إن الله تعالى ذكر رسوله، وما بعثه به من الهدى، ووعد على اتباعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة، ثم قال: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33]، الحمد لله الذي أنجز وعده ونصر جنده، ألا إن الله قد أهلك مُلْكَ المجوسية وفرَّق شملهم، فليسوا يملكون بأيديهم شبرًا يضر بمسلم، ألا إن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون، ألا وإن المِصْرَيْن (وهما الكوفة والبصرة) من مسالحها اليومَ كأنتم والمصرين فيما مضى من البعد، وقد أوغلوا في البلاد، والله بالغ أمره، ومنجز وعده، ومتبع آخر ذلك أوله؛ فقوموا في أمره يوفِ لكم بعهده، ويؤتكم وعده، ولا تُبدِّلوا ولا تغيروا؛ فيستبدل الله بكم غيركم؛ فإني لا أخاف على هذه الأمة إلا أن تُؤتَى من قِبَلِكُم".
مقتل كسري الفرس
بعد هذا السقوط الذي لحق بيزدجرد، وصل يزدجرد إلى خاقان الترك فاستُقْبِل استقبال الملوك، ثم سأله أحد عماله واسمه ماهويه أن يزوجه ابنته؛ فغضب يزدجرد غضبًا شديدًا، وقال له: إنما أنت عبد من عبيدي، فعمل ماهويه على تقليب الحاشية على يزدجرد، وقررت الحاشية قتله، فهرب يزدجرد من الحاشية الفارسية حتى انتهى إلى بيت طحَّان فآواه وأطعمه ثم سقاه الخمر فلعبت برأسه؛ فأخرج تاجه ووضعه على رأسه فعرفه الطحان، ثم أخبر ماهويه، وتشاءم ماهويه من قتل يزدجرد بنفسه أو أحد من حاشيته؛ فقد كانوا يعتقدون أن من قتل كسرى أو قتل ملكًا عُذِّبَ بالنار في الدنيا، فأوحى إلى الطحان بقتله، فأخذ فأسه وضرب يزدجرد فاحتز رأسه بها، وبعد قتل الطحان لكسرى قال ماهويه: ما ينبغي لقاتل ملك أن يعيش. فقتل الطحان، وألقى جثة يزدجرد في نهر جيحون، وحملت المياه جثته إلى مكان قريب من مرو الشاهجان، وتعرف عليه مطران على مرو يقال له: إيلياء، فجمع من كان قبله من النصارى، وقال لهم: إنَّ ملك الفرس قد قتل، وهو ابن شهريار بن كسرى، وإنما شهريار وَلَدُ شيرين المؤمنة التي قد عرفتم حقَّها وإحسانها إلى أهل ملَّتها من غير وجه؛ ولهذا الملك عنصر في النصرانِيَّة مع ما نال النصارى في مُلك جدِّه كسرى من الشرف، وقبل ذلك في مملكة ملوك من أسلافه من الخير، حتى بنى لهم بعض البِيعَ؛ فينبغي لنا أن نحزن لقتل هذا الملك من كرامته بقدر إحسان أسلافه وجدّته شيرين إلى النصارى؛ وقد رأيت أن أبني له ناووسًا، وأحمل جثّته في كرامة حتى أواريها فيه.
وبذلك سقطت الإمبراطورية الفارسية وقتل آخر ملوكها وتوقفت الفتوحات الإسلامية عند حدود بلاد الترك.
إرسال تعليق