تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

فتح حصن بابليون


 فتح حصن بابليون

كان الروم قد خندقوا خندقًا حول حصن بابليون، وجعلوا للخندق أبوابًا لخروجهم ودخولهم، وأبطأ الفتح أمام الحصن وكان يلوذ به الروم ولا يخرجون منه إلا إذا أرادوا، ثم يعودون إليه منهزمين فيعتصمون به، فقال الزبير بن العوام: "إني أهب نفسي لله، فأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين". ووضع سُلَّمًا من الخشب إلى جانب الحصن وأمر المسلمين إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعًا.

وقد صعد مع الزبير إلى أعلى الحصن محمد بن مسلمة الأنصاري، ومالك بن أبي سلسلة، ورجال من بني حرام وكان ذلك في غفلة من أهل الحصن، فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر ومعه سيفه والمسلمون يرددون تكبيره، وقد تسلقوا على السلم حتى نهاهم عمرو بن العاص خوفًا من أن ينكسر، ثم انحدر الزبير ومن معه إلى داخل الحصن، وأصاب الرعب أهل الحصن فهربوا من أمامهم، وعمد الزبير إلى باب الحصن المغلق من الداخل ففتحه واقتحمه المسلمون من الخارج وكان الحصن في قلب مصر فلما سقط بدا واضحًا حرج موقف الروم أمام عملية الفتح.
وقد صار المسلمون وقد أحدق بهم الماء من كل جهة واتجاه، لا يقدرون أن ينفذوا نحو الصعيد ولا إلى غير ذلك من المدائن والقرى، والمقوقس يقول لأصحابه: "ألم أعلمكم هذا وأخافه عليكم؟! ما تنظرون؟ فوالله لتجيبنهم إلى ما أرادوا طوعًا، أو لتجيبنهم إلى ما هو أعظم منه كرهًا، فأطيعوني من قبل أن تندموا".
فلما رأوا منهم ما رأوا أذعنوا بالجزية ورضوا بذلك وأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص: "إني لم أزل حريصًا على إجابتك إلى خصلة من تلك الخصال التي أرسلت إليَّ بها، فأبى ذلك عليَّ من حضرني من الروم والقبط، فلم يكن لي أن افْتَاتَ عليهم في أموالهم وقد عرفوا نصحي لهم وحبي صلاحهم، ورجعوا إلى قولي، فأعطني أمانًا أجتمع أنا وأنت في نفر من أصحابي وأنت في نفر من أصحابك، فإن استقام الأمر بيننا تمَّ ذلك لنا جميعًا، وإن لم يتم رجعنا إلى ما كنا عليه".
استشار عمرو أصحابه فقالوا: "لا نجيبهم إلى شيء من الصلح ولا الجزية حتى يفتح الله علينا، وتصير الأرض كلها لنا فيئًا وغنيمة كما صار لنا القصر وما فيه"، فقال عمرو: "قد علمتم ما عهد إليَّ أمير المؤمنين في عهده، فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إليَّ فيها أجبتهم إليها وقبلت منهم، مع ما قد حال هذا الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم".

فوافق المسلمون إلى الصلح وتمَّ عقد الصلح بين المسلمين والروم، جاء فيه:
"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم، وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقص، ولا يساكنهم النوب، وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف، وعليهم ما جنى لُصوتُهم، فإن أبى أحد منهم أن يجيب رُفِعَ عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمتنا ممن أبى بريئة، وإن نقص نهرهم من غايتهم إذا انتهى رُفع عنهم بقدر ذلك، ومن دخل في صلحهم من الروم والنوب فله مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا، عليهم ما عليهم أثلاثًا في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم، على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته، وذمة رسوله، وذمة الخليفة أمير المؤمنين، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسًا، وكذا وكذا فرسًا، على ألا يُغْزَوا ولا يُمْنَعُوا من تجارة صادرة ولا واردة".
كانت هذه المعاهدة للقبط أما الروم فقد تم تخييرهم، فمن أحب منهم أن يقيم على مثل هذا أقام على ذلك لازمًا له مفترضًا عليه فيمن أقام بالإسكندرية وما حولها من أرض مصر كلها، ومن أراد الخروج منها إلى أرض الروم خرج، على أن للمقوقس الخيار في الروم خاصة حتى يكتب إلى ملك الروم يعلنه ما فعل، وإن قبل ذلك منه ورضيه جاز عليهم، وإلا كانوا جميعًا على ما كانوا عليه، وكتبوا بذلك كتابًا.

قيصر الروم ومعاهدة المقوقس

كتب المقوقس إلى ملك الروم يعلمه بذلك، فجاءه من ملك الروم جوابه على ذلك يقبح رأيه وعجزه ويقول: "إنما أتاك من العرب اثنا عشر ألفًا، وبمصر من بها من كثرة عدد القبط ما لا يحصى، فإن كان القبط كرهوا القتال وأحبوا أداء الجزية إلى العرب واختاروهم علينا، فإن عندك بمصر من الروم بالإسكندرية ومن معك أكثر من مائة ألف معهم العدة والقوة، والعرب وحالهم وضعفهم على ما قد رأيت فعجزت عن قتالهم، ورضيت أن تكون أنت ومن معك من الروم على حال القبط أذلاء! ألا تقاتلهم أنت ومن معك من الروم حتى تموت أو تظهر عليهم، فإنهم فيكم على قدر كثرتكم وقوتكم، وعلى قدر قلتهم وضعفهم كأكلة، فناهضهم القتال ولا يكون لك رأي غير ذلك".
فقال المقوقس: والله إنهم على قلتهم وضعفهم أقوى وأشد منا على كثرتنا وقوتنا، إن الرجل الواحد منهم ليعدل مائة رجل منا، وذلك أنهم قوم الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، يقاتل الرجل منهم وهو مستقتل يتمنى ألا يرجع إلى أهله ولا بلده ولا ولده، ويرون أن لهم أجرًا عظيمًا فيمن قتلوا منا، ويقولون إنهم إن قُتِلُوا دخلوا الجنة، وليس لهم رغبة في الدنيا، ولا لذة إلا قدر بُلْغَة العيش من الطعام واللباس، ونحن قوم نكره الموت ونحب الحياة ولذتها، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء؟! وكيف صبرنا معهم؟! واعلموا معشر الروم والله أني لا أخرج مما دخلت فيه ولا صالحت العرب عليه، وأني لأعلم أنكم سترجعون غدًا إلى رأيي وقولي، وتتمنون أن لو كنتم أطعتموني، وذلك أني قد عاينت ورأيت وعرفت ما لم يعاين الملك ولم يره ولم يعرفه، ويحكم! أما يرضى أحدكم أن يكون آمنًا في دهره على نفسه وماله وولده بدينارين في السنة؟.
ثم أقبل المقوقس على عمرو بن العاص وقال له: إن الملك قد كره ما فعلتُ وعَجَّزني، وكتب إليّ وإلى جماعة الروم ألا نرضى بمصالحتك، وأمرهم بقتالك حتى يظفروا بك أو تظفر بهم، ولم أكن لأخرج مما دخلت فيه وعاقدتك عليه، وإنما سلطاني على نفسي ومن أطاعني، وقد تمَّ صلح القبط بينك وبينهم ولم يأتِ من قِبَلِهم نقض، وأنا مُتمّ لك على نفسي، والقبط متمون لك على الصلح الذي صالحتهم عليه وعاهدتهم، وأما الروم فأنا منهم براء، وأنا أطلب إليك أن تعطيني ثلاث خصال".
قال عمرو: "ما هن؟"
قال: لا تنقض بالقبط وأدخلني معهم وألزمني ما لزمهم، وقد اجتمعت كلمتي وكلمتهم على ما عاهدتك عليه، فهم يتمون لك على ما تحب، وأما الثانية إن سألك الروم بعد اليوم أن تصالحهم فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئًا وعبيدًا؛ فإنهم أهل ذلك لأني نصحتهم فاستغشوني، ونظرت لهم فاتهموني.
وأما الثالثة أطلب إليك إن أنا مت أن تأمرهم يدفنونني في كنيسة أبي يُحَنَّس بالإسكندرية". فقال عمرو: "هذه أهونهن علينا".
فأنعم له عمرو بن العاص بذلك، وأجابه إلى ما طلب على أن يضموا له الجسرين جميعًا، ويقيموا له الأضياف والأنزال والأسواق والجسور ما بين الفسطاط إلى الإسكندرية.

من حصن بابليون إلى الإسكندرية

توقف عمرو بن العاص رضي الله عنه في حصن بابليون، لتنظيم أمور المجتمع الجديد، ووجه عبد الله بن حذافة السهمي إلى عين شمس، فغلب على أرضها وصالح أهل قراها على مثال صلح الفسطاط، ووجه خارجة بن حذافة العدوي إلى الفيوم، والأشمونين وأخميم والبشرودات وقرى الصعيد فصالحها أيضا على مثل صلح الفسطاط، كما وجه عمیر بن وهب الجمحي إلى تنیس ودمياط وتونة ودميرة وشطا ودقهلة ونبا
وبوصبر فصالحها على مثل صلح الفسطاط أيضا، كما ووجه عقبة بن عامر الجهني ويقال وردان مولي عمرو بن العاص إلى سائر قرى أسفل الأرض الوجه البحري، ففعل مثل ذلك، وبذلك استجمع عمرو فتح مصر، فصارت أرضها أرض خراج.
كان عمرو بن العاص قد أرسل إلى أمير المؤمنين عمر يعلمه عن فتح بابليون ويستأذنه في فتح الإسكندرية، وجاءت الموافقة على متابعة الفتح، فاستخلف على مصر خارجة بن حذافة العدوي، وغادر بجيشه بابليون ومعه جماعة من رؤساء القبط الذين عملوا على إصلاح الطرق وإقامة الجسور وتنظيم الأسواق، وتقديم كل معونة ممكنة لجيش المسلمين، واختار عمرو بن العاص التحرك على الضفة الغربية للنيل، من ناحية الصحراء، حيث يتوافر المجال لتحرك القوات وعمل الفرسان من دون عائق من تلك العوائق، وبذلك استطاع عمرو تجنب أرض الدلتا بما بها من قنوات وترع كثيرة.
وعندما وصلت قوات المسلمين إلى ترنوط اصطدمت بقوة للروم، وحدثت اشتباكات عنيفة استمرت ثلاثة أيام؛ استطاع المسلمون بعدها انتزاع النصر، وتمزقت قوات الروم، فشكل عمرو مجموعة من الفرسان لمطاردة فلول الروم حتى وصل إلى الشمال من ترنوط، وهناك اصطدموا بمقاومة قوية؛ كانت متوجهة من الإسكندرية نحو الجنوب، ولم يتمكنوا من القضاء على هذه القوات، ولكنه استطاع إيقافها، وبعثوا إلى عمرو رسولا ليخبره، ويطلب دعمه؛ واستمرت الحرب حتى ظهرت طلائع قوات المسلمين؛ فتمزقت قوات الروم وأخذت في الفرار، ودارت معركة طاحنة بعد ذلك في سلطيس تمزقت فيها قوات الروم، ثم تابع المسلمون تقدمهم حتى وصلوا الكريون وكان القائد الروماني «تیودور» قد حصن المدينة ونظم حاميته القوية للدفاع عنها، وكان عبدالله بن عمرو على المقدمة، وكان حامل راية المقدمة «وردان» مولى عمرو بن العاص وخاض المسلمون معركة قاسية، قاد فيها تیودور المعركة بكفاءة؛ وأصيب عبد الله بجراح كثيرة فقال لوردان: لو تقهقرت قليلا نصيب الروح؟ فقال وردان: الروح ترید؟ الروح أمامك؛ وليس هو خلفك، فتقدم عبد الله واستأسد الناس، وتمكن من تحقيق النصر، وهرب فلول الروم فانضموا إلى حامية الإسكندرية.

عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب