مقدمة
انتقل المسلمون من الجابية إلى أذرعات ليكونوا علي حدود الجزيرة العربية، ولما رأى الروم ذلك انتقلوا هم أيضاً من الجابية إلى منطقة تسمي دير أيوب وبذلك أصبح يفصل بين الجيشين نهر اليرموك.
كانت الإمدادات تتوالى على جيش الروم من الشمال وعن طريق البحر أيضاً، كما أن المنطقة التي نزل بها اليرموك كانت ذات خيرات كثير، وقد حاول الروم أن يقصروا مدة الانتظار، فأرسلوا فرقة من الفرسان إلى خلف الجيش الإسلامي لقطع الإمدادات وذلك لإجبار الجيش الإسلامي علي القتال، ولكن خالد بن الوليد رضي الله عنه كان متيقظاً لهم وعندما علم بذلك أخذ فرقة من الفرسان وقاتل فرسان الروم مقاتلة شديدة، وقتل منهم الكثير؛ ففروا مرةً أخرى إلى دير أيوب وبقي المسلمون في أذرعات.
باهان يفكر في الصلح
كان باهان قائد جيش الروم يفكر في الصلح مع المسلمين وقرر أن يعرض علي المسلمين عرضاً جديداً غير الذي عرضه الروم في بيسان فأرسل إلى خالد بن الوليد يقول له: "قد علمنا أن الذي أخرجكم من دياركم غلاء السعر وضيق الأمر بكم، وإني قد رأيت أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير، وراحلة تحمل حملها من الطعام والكسوة والأدم لكل جنديٍّ فترجعون بها إلى بلدكم، وتُعيِّشون بها أهاليكم سنتكم هذه فإن كان قابل أرسلتم إليَّ؛ فأرسل لكم مثلها".
ولكن خالد بن الوليد أرسل إليه يقول: "الإسلام أو الجزية أو القتال".
المفاوضات بين خالد بن الوليد وباهان
فعاد الروم إلى جيشهم، وذكروا له رسالة خالد رضي الله عنه فقال باهان: والله إني عندي الرأي؛ فقالوا له: قل؛ فقال: أرى أن هؤلاء القوم وقد طعموا من طعامكم ولبسوا من لباسكم ورأوا عيشتكم؛ الموت عندهم أحب من ترك هذه الأشياء، وقد رأيت أن نسألهم أن يبعثوا إلينا رجلاً فنتفاوض معه ونُطمعهم في شيء يرجعون به إلى أهلهم فلعلنا ندفع خطر الوقعة، ونقي أنفسنا القتال؛ فقالوا له: نِعْمَ الرأي ما رأيت؛ فأرسل الروم رجلاً يطلب أحد المسلمين للمفاوضات؛ فأرسل المسلمون خالد بن الوليد نفسه ليفاوض باهان، وقبل أن يذهب خالد أخبرهم أنه هو القادم للقائهم، وأخذ خيمته معه وأمر مجموعة من الجنود أن يذهبوا وينصبوا هذه الخيمة في معسكر الروم ويقولوا لهم: إن خالدًا سينتظر في هذه الخيمة؛ فذهب العسكر المسلمون وأقاموا الخيمة داخل المعسكر الرومي، وذهب خالد بن الوليد ومعه الحارث بن عبد الله فقط.
فلما ذهبا جلس خالد في خيمته، ومكث فيها ساعة حتى جاءه بعض الجنود من جيش الروم يقولون له: إن الأمير مستعد للقائك فخرج خالد بن الوليد من خيمته فوجدهم قد أعدوا له طريقًا يمشى به: على ميمنة الطريق عشرة صفوف من الفرسان، وعلى الميسرة عشرة صفوف أخرى شاهرين السيوف لا يُرَى من الفرسان إلا الحِدَق من كثرة الدروع، ووراء هذه الصفوف العشرة ما لا يحُصى من الخيل، يحاولون إلقاء الرهبة والرعب في قلب هذا الذي جاء يحادثهم.
كان باهان قائد الروم قد سمع عن ما فعله خالد في أرض فارس والروم وكان يُكِنُّ في نفسه إعجابًا عميقًا بخالد بن الوليد، لذلك حاول باهان أن يُكرمه ويتخذه صديقًا؛ فقام له، ورحب به ترحيبًا شديدًا، وقال له: اجلس معي هنا إني علمت أنك من أحساب العرب ومن شجعانهم، ونحن نحب ذا الحسب الشجاع، فجلس خالد يستمع منه؛ فقال باهان: قد ذُكِرَ لي أن لك عقلاً ووفاءً، والعاقل ينفعك كلامه، وذو الوفاء يصدق قولُه ويُوثق بعهده.
فقال خالد بن الوليد: إن كنتُ أوتيتُ العقل, فالله تعالى المحمود على ذلك، والوفاء لا يكون إلا بالعقل، فمن لم يكن له عقل فليس له وفاء, ومن لا وفاء له لا عقل له؛ فقال باهان: أنت أعقل من في الأرض وما يتكلم بكلامك ولا يبصره ولا يفطن إليه إلا الفائق من الرجال، ثم قال له: أتحتاج إلى مشورة هذا الذي معك.
فقال خالد بن الوليد بتعجب: إن في عسكرنا هذا أكثر من ألفي رجل لا أستغني عن مشورتهم فكيف بهذا الذي معي؟.
فقال باهان: ما كنا نظن أن عندكم ذلك؛ فقال له خالد بن الوليد: ما كل ما تظنون وما نظن يكون صوابًا؛ فقال باهان: صدقت, فقال باهان: أول ما أدعوك إليه، وأكلمك به أن أدعوك إلى خُلَّتي.
فقال له خالد بن الوليد: كيف ذلك وقد جمعتني وإياك بلدة لا أريد أنا ولا تريد أنت أن نفترق عنها إلا أخذناها؟!! فقال باهان: فلعل الله أن يصلح بيننا دون قتال أو دون أن يراق دم, فقال خالد بن الوليد: إن شاء الله فعل ذلك. فقال باهان: إني أريد أن ألقي الحشمة بيني وبينك (سأفعل شيئًا يزيل الحرج والتكليف) فإني قد أعجبتني قبتك ووالله إني ما رأيت أحسن منها, فإن شئت أن تهبها لي وتأخذ ما شئت من أموالنا ومن حاجاتنا فعلت.
فقال خالد بن الوليد: هي لك. خذها ولا أريد شيئًا من متاعك، وأعطاها له؛ فأخذها باهان،
وقال له: إن شئت بدأناك بالكلام وإن شئت أنت فتكلم.
فقال خالد: ما أبالي أي ذلك كان، ولكني أعلم أنك تعرف ما ندعو إليه وقد جاءك بذلك أصحابك من أجنادين ومن بيسان ومن فِحْل ومن دمشق ومن حمص ومن بعلبك وجاءك ذلك من كل مدائنكم وحصونكم فلا فائدة أن أبدأ الكلام؛ فاصفرَّ وجهُ باهان وشعر أنه يتحدث مع رجل متمكن، وانتهت المفاوضات دون الوصول إلى نتيجة.
استعدادات المسلمين لمعركة اليرموك
بدأ خالد بن الوليد رضي الله عنه في تنظيم الجيش وتقسيمه، فقام خالد رضي الله عنه بتقسيم الجيش بطريقة يستطيع بها إيصال الأوامر إليهم بسهولة، وكان معتاداً في ذلك أن كل مجموعة قبيلة، أو تتشكل فرقة كاملة من قبيلة واحدة فتقاتل حتى لا يقال إن الجيش أُتِي من قِبَلِ قبيلة كذا أو كذا، ولكن خالد بن الوليد غير هذا الأمر فجمع جنوده وقال لهم: إن هذا اليوم لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي؛ ولذلك فإني سأفرقكم حيث يريد الله ويريد رسوله.
لذلك قام رضي الله عنه بتقسيم الجيش إلى 38 فرقة سميت هذه الفرقة بإسم الكردوس، فأصبح بذلك خالد بن الوليد القائد العام ثم تحت قيادته قادة الجيوش الأربعة وهم شرحبيل بن حسنة وأبو عبيدة وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان رضي الله عنهم جميعاً، وتحت كل قائد مجموعة من الكراديس وكل كردوس عليه أمير، وبهذا الترتيب أصبح عمرو بن العاص في اليمين وشرحبيل بن حسنة و أبو عبيدة في القلب و يزيد بن أبي سفيان في الميسرة.
وكان جيش المسلمين به الكثير من الأبطال مثل القعقاع بن عمرو، هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، مذعور بن عدي، ضرار بن الأزور، وغيرهم الكثير، ثم جعل القاضي في هذه المعركة أبو الدرداء، والقاص الذي يحمس الناس أبو سفيان بن حرب، والذي يقوم بتقسيم الغنائم عبد الله بن مسعود، والقارئ الذي سيقرأ سورة الأنفال على المسلمين هو المقداد بن عمرو وكان ضمن جيش المسلمين ألف صحابي تقريباً من بينهم مائة بدري.
بعد أن رتَّب خالد بن الوليد هذه الجيوش مرَّ بنفسه على كل الكراديس يقول لهم: "يا أهل الإسلام إن الصبر عِزٌّ، وإن الفشل عبس، وإن مع الصبر تنصرون فإن الصابرين هم الأعلون، وإن المُحِقَّ لا يفشل, يعلم أن الله معه يذب عنه ويقاتل، وإنه إن قدم على الله أكرم منزلته وشكر سعيه إنه شاكر يحب الشاكرين".
ثم قام خالد بن الوليد بوضع القادة في أماكنهم فسأل أبي عبيدة بن الجراح وقال له: يا أبا عبيدة من كنت تجعل على ميمنتك؟ فقال: معاذ بن جبل، فقال خالد بن الوليد: أهل ذلك فوَلِّهِ؛ فجعل معاذ بن جبل على الميمنة، ثم قال له: من كنت تجعل على الميسرة؟ قال: غير واحد؛ فقال خالد: فولهِّا قباث بن أَشْيَم؛ فقال أبو عبيدة: قد فعلت؛ فقال خالد: وأنا على الخيل، وَوَلِّ مَن شئت على الرَّجَّالة؛ فقال أبو عبيدة: أُوَلِّيها إن شاء الله من لا يخُاف نكُوله ولا صدوره عند البأس هاشم بن عتبة بن أبى وقَّاص؛ فقال خالد لأبي عبيدة بن الجراح: وُفِّقتَ ورَشدت، ثم يقول خالد بن الوليد: أرسل إلى كل راية فَمُرْهم أن يطيعوني؛ ففعل أبو عبيدة بن الجراح وأرسل الضحاك بن قيس يمر على كل فرقة وكل كتيبة فيقول لهم: إن أميركم أبا عبيدة بن الجراح يأمركم أن تطيعوا خالد بن الوليد فكلما ذهب إلى فرقة قالوا له: سمعنا وأطعنا. سمعنا وأطعنا.
استعدادات الروم للمعركة
أرسل هرقل رسالة باهان يقول له أن انزلوا بالروم منزلاً واسع العطن فقد أراد أن يضع جيشه في مكان واسع جداً، ومع ذلك ضيقة المهرب لكي يمنع جيشه من الهرب، وجد باهان أن تنفيذ هذا الأمر يتطلب أن ينتقل بجيشه إلى ساحل اليرموك غربًا إلى المنطقة المحصورة بين نهر اليرموك ونهر الرِّقاد، وهذه المنطقة مربعة ويقع جنوبها نهر اليرموك، وشرقها وادي عِلاَّن وهو وادٍ منخفض، وغربها والشمال الغربي منها نهر الرِّقاد، ويوجد في الناحية الغربية منها منحدر عميق جدًّا وتسمى الواقوصة أي أن هذه المنطقة هاوية سحيقة، وليس لها مخرج غير الشمال الشرقي وهي منطقة ضيقة للغاية، فأمر باهان جيشه أن يتوجه من دير أيوب إلى هذه الهضبة في شمال نهر اليرموك ويجعل وجهته ناحية الشمال الشرقي فيصبح على يمين الجيوش نهر اليرموك، وعلى شمالها نهر الرقاد وفي خلفها الهاوية الواقوصة بحيث لا يستطيع الجيش أن يهرب، كما أن هناك أوامر من هرقل بتقييد كل عشرة مقاتلين من الجيش في سلسلة.
وعندما رأي عمرو بن العاص رضي الله عنه المكان الذي نزل به الروم قال: أيها الناس أبشروا . . حصرت والله الروم، وقلما جاء محصور بخير.
إرسال تعليق