رفضه عبادة الأصنام
عن هشام بن عروة عن أبيه قال: حدثني جار لخديجة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول لخديجة: (أي خديجة والله لا أعبد اللات والعزى، والله لا أعبد أبدا).
وكما كان صلى الله عليه وسلم يرفض عبادة الأصنام فقد كان أيضاً يرفض الحلف بها ومن ذلك ما جاء في قصة بحيرا الراهب أنه استحلف النبي صلى الله عليه وسلم باللات والعزى حينما لقيه بالشام في سفره مع عمه أبى طالب وهو صبى، لما رأى فيه علامات النبوة، فقال بحيرا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا غلام أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه ، وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسألني باللات والعزى شيئاً، فوالله ما أبغضت بغضهما شيئاً قط).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل مما ذبح علي النصب وقد وافقه في ذلك زيد بن عمرو بن نفيل وذلك لأن زيد بن عمرو كان علي دين الحنيفية وكان لا يعبد الأصنام، وعندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كان هو بالشام فأسرع إلى مكة ليؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ولكن خرج عليه قوم من لخم في الطريق فقتلوه فقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم:« إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده»، وقد أسلم ابنه سعيد بن زيد وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة وابن عم عمر بن الخطاب.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه و سلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه و سلم الوحي، فقدمت إلى النبي صلى الله عليه و سلم سفرة فأبَى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه، وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله إنكارا لذلك وإعظاما له).
ومن حفظ الله لنبيه صلى الله عليه وسلم حفظه من أن تبدو عورته أو يظهر عريانا، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم والعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل إزارك على رقبتك، فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء، فقال: أرني إزاري فشده عليه)، وفي رواية أخرى: (فسقط مغشياً عليه، فما رُئي بعد ذلك عرياناً).
فشب رسول الله صلى الله عليه وسلم والله تعالى يكلؤه ويحفظه، ويحوطه من أقذار الجاهلية، لما يريد به من كرامته ورسالته، حتى بلغ أنْ كان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأكرمهم حسباً، وأحسنهم جواراً، وأعظمهم حلماً، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، حتى سمي في قومه الأمين، لِما جمع الله فيه من الأمور الصالحة.
حفظ الله تعالى لنبيه من نزعات الشباب
ويتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مظاهر حفظ الله له قبل النبوة من نزعات الشباب فيقول صلى الله عليه وسلم: (ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون به، إلا مرتين من الدهر، كلتيهما يعصمني الله منهما، قلت ليلة لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في أغنام أهله يرعاها: أبصر إلي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان، قال: نعم، فخرجت، فجئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناء وضرب دفوف ومزامير، فقلت: ما هذا؟، فقالوا : فلان تزوج فلانة، لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الغناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا حر الشمس فرجعت فقال: ما فعلت؟، فأخبرته، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ففعل، فخرجت، فسمعت مثل ذلك، فقيل لي مثل ما قيل لي، فلهوت بما سمعت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا مسُّ الشمس، ثم رجعت إلى صاحبي فقال: فما فعلت؟، قلت: ما فعلت شيئاً ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته).
وهذا الحديث يوضح لنا حقيقتين هما:
1- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعًا بخصائص البشرية كلها، وكان يجد في نفسه ما يجده كل شاب من مختلف الميول الفطرية التي اقتضت حكمة الله أن يجبل الناس عليها.
2- أن الله عز وجل قد عصمه مع ذلك عن جميع مظاهر الانحراف وعن كل ما لا يتفق مع مقتضيات الدعوة التي هيأه الله لها.
إرسال تعليق