مقدمة
كان العام العاشر من البعثة مليئا بالأحداث، فقد كان في المحرم من هذا العام انتهاء الحصار والمقاطعة الاقتصادية بعد ثلاث سنوات من الحصار والتجويع في شعب أبي طالب وذلك حين تحرك خمسة رجال من قريش لنقض الصحيفة الظالمة، كما سلط الله سبحانه وتعالى الأرضة علي الصحيفة فأكلتها، ولكن بعد انتهاء الحصار فقد النبي صلى الله عليه وسلم اثنين من أهم مسانديه وهم عم النبي صلى الله عليه وسلم أبو طالب وزوجته السيدة خديجة رضي الله عنها.
وفاة أبو طالب
توفي أبو طالب بعد انتهاء الحصار والخروج من الشعب بستة أشهر أي في شهر رجب وقيل في شوال، وقد حزن النبي صلى الله عليه وسلم علي وفاة عمه لأنه كان من أشد المناصرين والداعمين للنبي صلى الله عليه وسلم وكان يحميه من أذي قريش، فبعد وفاة أبو طالب حدث تغير كبير في مكة ورغم أن أهل مكة كانوا يتعرضون للنبي صلى الله عليه وسلم بالإيذاء إلا أنه بعد وفاة أبو طالب تجرأ الكفار على النبي صلى الله عليه وسلم تجرُّؤًا غير مسبوق، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ".
ورغم ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمه قبل وفاته يدعوه للمرة الأخيرة إلى الإسلام إلا أن عمه رفض أن ينطق بالشهادة وآخر ما قاله أنه علي ملة عبد المطلب، ولكن رغم موته كافراً إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع له فعَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ لِلنَّبِيِّ: مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ؟ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ. قَالَ: "هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَار، وَلَوْلاَ أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ".
وعن العباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أَهْوَنُ أهل النَّار عذابا أبو طالب، وهو مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ، يغلي منهما دماغه).
وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها
وفي شهر رمضان من العام العاشر من البعثة توفيت السيدة خديجة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم وقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنه تمثل سنداً للنبي صلى الله عليه وسلم وكانت من الداعمين له، فقد كانت رضي الله عنها أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وكانت تدعمه وتُؤَازره في أحرج أوقاته، وتُعينه على إبلاغ رسالته، وتهُوِّن عليه الصراع الذي دار مع كفار مكة، وتُواسيه بمالها ونفسها، وقد عاشت مع النبي صلى الله عليه وسلم خمسة عشرين سنة وأنجب النبي صلى الله عليه وسلم منها ولدين وأربعة بنات ولم يتزوج غيرها حتى توفيت رضي الله عنها.
وبعد وفاتها لم ينسي النبي صلى الله عليه وسلم زوجته فقد كانت الأقرب إلى قلبه مطلقاً فعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: «مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي، لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَأَمَرَهُ اللهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيُهْدِي فِي خَلَائِلِهَا مِنْهَا مَا يَسَعُهُنَّ».
رحلة الطائف
بعد وفاة أبو طالب والسيدة خديجة رضي الله عنها اشتد أذي المشركين علي النبي صلى الله عليه وسلم حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ"،
فقرر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبحث عن مكان جديد للدعوة وكان هذا المكان هو الطائف.
خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع زيد بن حارثة إلى الطائف ماشياً علي قدميه مسافة تسعين كيلو متر تقريباً، ولكنه عندما وصل إلى الطائف تعرض لبلاء أكبر، فلم يكتفي أهل الطائف برفض دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بل ردوا عليه ردًّا منكَرًا، وسَخِروا منه واستهزءوا به وسلَّطوا عليه الصِّبيان والعبيد والسُّفهاء، ووقفوا صفَّيْن، وأخذوا يرمونه بالحجارة، ويسخرون منه، ويسبُّونه بأقبح السباب والشتائم.
حتَّى إنَّه صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع قدَمًا، ولا يضعها إلاَّ على الحجارة، وسالت الدِّماء من قدَميْه الشريفتين، وشجَّ رأس زيد بن حارثة رضي الله عنه الذي حاول الدِّفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألْجأ السُّفهاءُ والصبيانُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إلى بستانٍ لعُتبة وشيبة ابنَيْ ربيعة.
وقد رفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو عليهم أو ينتقم منهم فقال لملك الجبال : "بل أرجو أن يُخْرِج الله من أصلابهم مَن يعبد الله وحده لا يُشرك به شيئًا".
وفي هذه الرحلة أسلم عداس النصراني وهو غلام لعتبة وشيبة ابنا ربيعة كما أسلم نفر من الجن عندما سمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم.
إرسال تعليق