تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

المقاطعة والحصار في شعب أبو طالب

مقدمة

ذكرنا في المقال السابق أن قريش استخدمت أسلوب المفاوضات مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم مع عمه أبو طالب، وقد عرضوا علي عمه أن يعطوه عمارة بن الوليد بن المغيرة وكان أنهد فتى في قريش وأجمله وقالوا له: خذه فلك عقله ونصره واتخذه ولدا فهو لك، وكان هذا مقابل أن يسلم إليهم أبو طالب ابن أخيه فيقتلوه فرفض أبو طالب وقال ‏‏لهم:‏‏ والله لبئس ما تسومونني أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه هذا والله ما لا يكون ابدا.

عندما رأت قريش موقف أبو طالب ورفضه تسليم النبي صلى الله عليه وسلم قرروا أن يستخدموا أسلوب جديد ضد الدعوة، وإزاء ما حدث، خشي أبو طالب أن يثور زعيم أو سفيه من زعماء أو سفهاء قريش فينطلق إلى رسول الله ويقتله.

المقاطعة الاقتصادية والحصار

جمع أبو طالب بني المطلب وبني هاشم وأخبرهم بمكيدة قريش وأنهم يريدون قتل النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منهم أن يجتمعوا لحماية النبي صلى الله عليه وسلم وأن يدخلوا الشعب حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم في مأمن من الكفار.

وقد استجاب كل بني هاشم وبني المطلب لأبو طالب مؤمنهم وكافرهم إلا أبا لهب فإنه ظاهر قريشاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

علمت قريش بما فعل أبو طالب واجتماعه هو وعشيرته لحماية النبي صلى الله عليه وسلم وعدم تسليمه للمشركين، ولذلك اجتمع كفار مكة وأجمعوا على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب اقتصاديًا واجتماعيًا، وكتبوا في ذلك كتابًا فيه: أن لا يناكحوهم ولا يتزوجون منهم، وأن لا يبايعوهم، ولا يبيعون لهم ولا يشترون منهم، وأن لا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم، وأن لا يقبلوا من بني هاشم وبني المطلب صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يُسْلموا الرسول صلى الله عليه وسلم لهم للقتل.

ثم قاموا علقوا هذه الصحيفة الظالمة في جوف الكعبة وقد تقاسموا بآلهتهم على الوفاء بها، وقد بدأ تنفيذ هذا الحصار الرهيب في أول ليلة من ليالي المحرم في السنة السابعة من البعثة، ودخل بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم إلى شعب أبي طالب وتجمعوا فيه، ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك ليكونوا جميعًا حوله كي يحموه من أهل مكة.


تنفيذ المقاطعة وبداية المعاناة والألم

بدأت قريش في التنفيذ وقاموا بقطع الطعام بالكلية عن المحاصرين وكانوا لا يبيعون منهم ولا يشترون وكان الطعام الذي يأتي من خارج مكة يزيد القرشيون سعره حتي لا يستطيع بني هاشم أن يشتروه وكانوا يسرعون إلى التجار القادمين إلى مكة فيشترون منهم بضاعتهم حتي لا يبيعوها إلى بني هاشم.

وقد بلغ الجهد بالمحاصرين وكان يسمع أصوات صراخ النساء والأطفال من شدة ألم الجوع، وقد اضطروا إلى أكل ورق الشجر يقول سعد بن أبي وقاص: «خرجت ذات يوم ونحن في الشعب لأقضي حاجتي فسمعت قعقعة تحت البول، فإذا هي قطعة من جلد بعير يابسة، فأخذتها فغسلتها، ثم أحرقتها ثم رضضتها، وسففتها بالماء فتقويت بها ثلاث ليال».

ورغم هذا الحصار فقد كان هناك بعض بعض أهل مكة ممن يتعاطف مع المحاصرين وخاصة إن كانوا من أرحامه فكان أحدُ المشركين وهو هشام بن عمرو العامري يحمل البعير بالطعام والثياب، ويأخذ بخطام البعير حتى يقف على رأس الشِّعب، ثم يخلع خطام البعير ويطلقه في الشعب.

وكان حكيم بن حزام يرسل الطعام لعمته خديجة بنت خويلد سراً، فرآه أبو جهل يوماً، فجعل يمانعه عن إيصال الطعام، ويهدد بفضحه والتشهير به، فجاء أبو البختري بن هشام فوقف مع حكيم بن حزام، وحصلت مشادة بينه وبين أبي جهل انتهت برض رأس أبي جهل بحجر حتى أدماه، وانطلق حكيم إلى عمته بالطعام.

أما أبو طالب فقد كان يبيت الليل مستيقظًا، يحمل سلاحه، ويطوف في الشعب مع جماعة من بني هاشم، ثم ينامون النهار، وكان أبو طالب يأمر حمزة والعباس أن يرابطا على مدخل الشِّعب ليرصدا تحركات المشركين، خوفًا من غدر أو غيلة تستهدف حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

وكان يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينام على فراشه، ويأمر أحد بنيه أن ينام مكان النبي صلى الله عليه وسلم.


انتهاء الحصار

استمر الحصار مدة ثلاث سنوات وحال المسلمين المحاصرين يزداد من سوء إلى أسوأ حتي جاء المحرم من السنة العاشرة للبعثة وكانت نهاية المحنة في هذا الشهر.

كما ذكرنا من قبل أن هشام بن عمرو العامري من بني عامر بن لؤي كان ممن يدخل المساعدات سراً إلى المحاصرين ولكن هذه المرة قرر أن ينهي الحصار بأكمله ولأنه رجل واحد قرر أن يستعين بشخص أخر وهو زهير بن أبي أمية المخزومي وذلك لسببين:

1- أن هذا الرجل من قبيلة بني مخزوم وهم من المنافسين والمعارضين لبني هاشم وهي أيضاً نفس قبيلة أبو جهل الذي تولى هذا الأمر.

2- أم زهير من بني هاشم وهي عاتكة بنت عبد المطلب وهي أخت أبو طالب أي أن بني هاشم هم أخوال زهير.

ذهب هشام بن عمرو إلى زهير بن أبي أمية وقال له: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام وتشرب الشراب وأخوالك حيث تعلم؟ أما إني فأحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام (يعني أبا جهل)، ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم، ما أجابك إليه أبدًا.

قال زهير: ويحك! ما أصنع وأنا رجل واحد، أما والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها.

فقال هشام بن عمرو: قد وجدت رجلاً، فقال زهير: فمن هو؟ قال: أنا.

فقال زهير: أبغنا رجلاً ثالثًا.

فذهب هشام بن عمرو إلى المطعم بن عدي من بني نوفل، ووجه له اللوم على موافقته للظلم الذي وقع علي بني المطلب وبني هاشم، ودعاه إلى نقض الصحيفة وهنا قال له المطعم: ويحك، ماذا أصنع؟! إنما أنا رجل واحد.

قال هشام: قد وجدت ثانيًا.

قال: من هو؟

قال: أنا.

قال المطعم: أبغنا ثالثًا.

فقال هشام: قد فعلت.

قال: ومن هو؟

قال: زهير بن أبي أمية.

فقال المطعم: أبغنا رابعًا.

فذهب هشام إلى أبو البختري بن هشام ودعاه إلى نقض الصحيفة الظالمة وقال له مثل ما قال للمطعم

فقال أبو البختري: وهل من أحد يعين على هذا؟

قال هشام: نعم، زهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأنا.

فقال أبو البختري: أبغنا خامسًا.

فذهب هشام إلى زمعة بن الأسود من بني أسد.

فقال له زمعة: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟

قال: نعم. ثم ذكر له الأربعة السابقين، فوافق زمعة بن الأسود.

اجتمعوا الرجال الخمسة وقرروا أن يقوموا بنقض الصحيفة وقال لهم زهير: أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم.

وفي صباح اليوم التالي ذهبوا إلى المسجد الحرام، وهنا نادى زهير على أهل مكة فاجتمعوا له، فقال لهم: يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى، لا يباع ولا يبتاع منهم؟! والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.

هنا قام أبو جهل فقال: كذبت، والله لا تشق.

فقام زمعة بن الأسود وقال: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت.

وقام أبو البختري بن هشام فقال: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقرّ به.

وقال المطعم بن عديّ: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نحن نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها.

وقال هشام بن عمرو مثل ما قال المطعم، وطالب بنقض الصحيفة.

فقال لهم أبو جهل: هذا أمر قُضِي بليل.

وقد حدث أمر آخر تزامن مع هذه الاحداث فقد أوحي الله سبحانه وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن الأرضة قد أكلت الصحيفة ولم تترك فيها إلا ما كان من اسم الله سبحانه وتعالى (باسمك اللهم).

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب، وعندئذ ذهب أبو طالب إلى المسجد الحرام فوجدهم مجتمعين للسبب السابق فأخبرهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهم: إن كان كاذبًا خلينا بينكم وبينه، وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا.

فقال زعماء قريش: قد أنصفت يا أبا طالب.

بعد ذلك ذهبوا جميعاً إلى الصحيفة فوجدوها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبقى منها إلا باسمك اللهم، وفعلاً نقضت الصحيفة وخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه بعد ثلاث سنوات من الحصار والتجويع.


عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب