نسبه ومولده
هو عبد الرّحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي أبو محمد الزهري القرشي.
كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو وقيل عبد الكعبة وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، وأمه الشفاء بنت عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة، وكان مولده بعد عام الفيل بعشر سنوات وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد الستة أصحاب الشوري.
عن سهلة بنت عاصم قالت: كان عبد الرحمن بن عوف أبيض، أعين، أهدب الأشفار، أقنى، طويل النابين الأعليين، ربما أدمى نابه شفته، له جمة أسفل من أذنيه، أعنق، ضخم الكتفين.
أسرته
ذكرت له زوجات كثيرة نذكر منهم:
1- أم كلثوم بنت عتبة بن ربيعة
2- أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط
3- سهلة بنت عاصم
4- تماضر بنت الأصبغ
أولاده الذكور
- سالم الأكبر، ومحمد وأمهم أمّ كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعيط.
- إبراهيم وحميد، وإسماعيل وأمهم أمّ كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعيط.
- مَعْن وعُمَرُ، وزيد وأمهم سَهْلَةُ بنت عاصم بن عديّ.
- أبو سلمة، وهو عبد الله الأصغر، وأمه تُماضرُ بنت الأصبغ.
والبنات هم
- حميدة، وأمة الرحمن، وأمهم أمّ كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعيط.
- أمة الرحمن الصغرى، وأمها سَهْلَةُ بنت عاصم بن عديّ.
إسلامه
أسلم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قديماً حيث يُعد أحد الثمانية الذين سبقوا بالإسلام، وأَحد الخمسة الذين أَسلموا على يد أَبي بكر، وكان عمره عند إسلامه ثلاثين عاماً، وقد هاجر إلى الحبشة في الهجرة الأولي ثم عاد منها وهاجر إلى المدينة، وقد آخي النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع.
عبد الرحمن بن عوف في العهد النبوي
شهد عبد الرحمن بن عوف المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم.
1- غزوة أحد
كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه من القلة القليلة التي ثبتت يوم أحد ولم يفر، عن الحارث بن الصمة فيقول: سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وهو في الشعب فقال: "هل رأيت عبد الرحمن بن عوف؟" فقلت: نعم رأيته إلى جنب الجبيل وعليه عسكر من المشركين فهويت إليه لأمنعه فرأيتك فعدلت إليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة تمنعه" قال الحارث: فرجعت إلى عبد الرحمن فأجد بين يديه سبعة صرعى فقلت: ظفرت يمينك؛ أكل هؤلاء قتلت؟ فقال: أما هذا لأرطاة بن شرحبيل، وهذان فأنا قتلتهم وأما هؤلاء فقتلهم من لم أره قلت: صدق الله ورسوله.
2- غزوة تبوك
وفي غزوة تبوك صلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يقول المغيرة بن شعبة: عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه في غزوة تبوك قبل الفجر فعدلت معه، فأناخ النبي صلى الله عليه وسلم فتبرز ثم جاء فسكبت على يده من الإداوة، فغسل كفيه ثم غسل وجهه ثم حسر عن ذراعيه، فضاق كما جبته فأدخل يديه فأخرجهما من تحت الجبة فغسلهما إلى المرفق ومسح برأسه ثم توضأ على خفيه ثم ركب، فأقبلنا نسير حتى نجد الناس في الصلاة قد قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم حين كان وقت الصلاة، ووجدنا عبد الرحمن وقد ركع بهم ركعة من صلاة الفجر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصف مع المسلمين فصلى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية، ثم سلم عبد الرحمن فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته ففزع المسلمون، فأكثروا التسبيح لأنهم سبقوا النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: "قد أصبتم" أو "قد أحسنتم".
3- سرية دومة الجندل
لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى دومة الجندل ووصاه قائلاً: "غز بسم الله وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، لا تغل ولا تغدر ولا تقتل وليدًا" وقال: إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم، فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل، فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي وكان نصرانيًا، وكان رأسهم وأسلم معه ناس كثير من قومه وأقام من أقام على إعطاء الجزية، وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ وقدم بها إلى المدينة وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن.
عبد الرحمن بن عوف في عهد الخلفاء الراشدين
خلافة عمر بن الخطاب
كان عبد الرحمن بن عوف وزيراً من وزراء الفاروق، وكان هو ممن أشار علي عمر بعدم دخول الشام وقت طاعون عمواس فنصحه عبد الرحمن بن عوف بالحديث النبوي «إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع وأنتم فيه فلا تخرجوا فرارًا منه»، فعاد عمر وصحبه إلى المدينة المنورة.
ولما فتحت بلاد فارس اختلف الصحابة في أخذ الجزية من المجوس، فجاء عبد الرحمن بن عوف وأخبر عمر أن النبي أخذ الجزية من مجوس هجر فأخذ عمر بشهادة عبد الرحمن بن عوف.
وفي سنة 23ه جعله عمر أمير الحج.
وقد روي أن عبد الرحمن بن عوف قال لأصحاب الشورى: هل لكم أن أختار لكم وأنتقي منها، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنا أول من رضي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أنت أمين في أهل السماء وأمين في أهل الأرض".
ويقول الذهبي معلقًا على موقفه في الشورى: «ومن أفضل مناقب عبد الرحمن بن عوف عزله نفسه من الأمر وقت الشورى، واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد، فنهض في ذلك أتم نهوض على جمع الأمة على عثمان، ولو كان محابيًا فيها لأخذها لنفسه، أو لولاها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص.»
خلافة عثمان بن عفان
حظي عبد الرحمن عند عثمان رضي الله عنهما بنفس المكانة التي حظي بها عند عمر، فقد ولاه عثمان إمارة الحج عام 24ه.
وقد أراد عثمان أن يوليه الخلافة من بعده وذلك أنه اشتكى عثمان رعافًا، فدعا كاتبه حمران فقال: «اكتب لعبد الرحمن العهد من بعدي»، فكتب له، وانطلق حمران إلى عبد الرحمن فقال: «البشرى!»، قال: «وما ذاك؟» قال: «إن عثمان قد كتب لك العهد من بعده.» فقام عبد الرحمن يدعو بين القبر والمنبر فقال: «اللهم إن كان من تولية عثمان إياي هذا الأمر، فأمتني قبله.» فلم يمكث إلا ستة أشهر حتى مات.
وفاته رضي الله عنه
توفي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عام 32ه وعمره خمس وسبعين سنة ودفن بالبقيع في المدينة.
مناقبه وفضائله
1- كان رضي الله عنه زاهداً متواضعاً ولم يكن يعرف من بين عبيده وكان يخشي من كثرة ماله روي البخاري في صحيحه: «أَتَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا فَجَعَلَ يَبْكِي، وَقَالَ: قُتِلَ حَمْزَةُ، فَلَمْ يُوجَدْ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ، إِلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا، وَقُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، فَلَمْ يُوجَدْ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا.»، ولمّا وُضِع أمامه صحفة فيها خبز ولحم؛ بكى وقال: «هَلكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَشْبَعْ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ، فَلا أَرَانَا أُخِّرْنَا لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَنَا»،
2- وكان ثرياً كريماً وقد بني ثروته بنفسه فعندما وصل إلى المدينة مهاجراً لم يكن يملك شيئا فعرض سعد بن الربيع عليه أن يقسم ماله بينهم نصفين فقال «إني أكثر الأنصار مالا فأقسم مالي نصفين ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجها»، فقال عبد الرحمن: «بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق»، فدلوه على سوق بني قينقاع، فربح شيئًا من أقط وسمن، وتزوج امرأة من الأنصار، وجاء بعد أيام وعليه أثر صفرة، فقال له النبي: «مهيم يا عبد الرحمن» فقال: «يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار»، قال: «فما سقت فيها؟ فقال: «وزن نواة من ذهب»، فقال النبي: «أولِم ولو بشاة». فكان عبد الرحمن يقول: «فلقد رأيتُني ولو رفَعتُ حَجَرًا رجَوتُ أن أُصيبَ تحته ذَهَبًا أو فِضّة.»
3- ويروى أن ميراثه كان من ذهب يُقسَّم بالفؤوس حتى مجلت يدي الرجال منه، وترك أربع نسوة، أخرجت كل امرأة من إرثها بثمانين ألفًا.
4- كما اشتهر بكثرة إنفاقه وروي أنه تصدّق بشطر ماله على عهد النبي، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله وخمسمائة راحلة، وقد باع يومًا أرضا بأربعين ألف دينار فرّقها جميعًا على أهله من بني زُهرة وأمهات المسلمين وفقراء المسلمين، ورُوى أنه أعتق ثلاثين ألف بيت. فكان طلحة بن عبد الله بن عوف يقول: «كان أهل المدينة عيالًا على عبد الرحمن بن عوف: ثلث يقرضهم ماله، وثلث يقضي دينهم، ويصل ثلثًا.» وأَوصى لمن بقي من أهل غزوة بدر، لكل رجل أَربعمائة دينار، وكانوا مائة، فأَخذوها، وأَخذها عثمان فيمن أَخذ، وأَوصى بأَلف فرس في سبيل الله.
5- وكان رضي الله عنه ينفق علي أمهات المؤمنين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فكانت عائشة وأم سلمة تقولان: «اللَّهُمَّ اسْقِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ»، فقد أوصى لهن بحديقة بِيعَت بأربع مائة ألف. عن المسور قال: أن عبد الرحمن باع أرضا له من عثمان بأربعين ألف دينار فقسمه في فقراء بني زهرة وفي المهاجرين وأمهات المؤمنين قال المسور : فأتيت عائشة بنصيبها فقالت: من أرسل بهذا؟ قلت: عبد الرحمن قالت: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يحنو عليكن بعدي إلا الصابرون"، سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة.
6- عن المسور بن مخرمة قال:
بينما أنا أسير في رَكْبٍ بين عثمان وعبد الرّحمن بن عوف وعبد الرّحمن قُدّامي عليه خَميصة سوداء، فقال عثمان: مَنْ صاحب الخميصة السوداء؟ قالوا: عبد الرّحمن بن عوف، فناداني عثمان فقال: يا مسْوَرُ، فقلتُ: لبّيك يا أمير المؤمنين، فقال: مَنْ زعم أنّه خير من خالك في الهجرة الأولى وفي الهجرة الآخرة فقد كَذَبَ.

إرسال تعليق