فتح تدمر
أرسل الصديق خطاباً إلى خالد يأمره بالمسير إلى الشام وقد لامه الصديق علي الخروج سراً للحج فقال له: لا تعد إلى ذلك ثانية، وحذره من العُجْبِ بنفسه، ثم قال له: "إذا جاءك كتابي هذا، فدع العراق وخَلِّفْ أهله فيه الذين قدمت عليهم وهم فيه، ثم امض مخففًا في أهل القوة من أصحابنا الذين قدموا معك العراق من اليمامة وصحبوك من الطريق وقدموا عليك من الحجاز حتى تأتي الشام, فتلقى أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين فإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة. والسلام عليك ورحمة الله".
وتصل هذه الرسالة إلى خالد فيقول: "أما إذ ولاَّني، فإن في الشام خلفًا عن العراق", ويقوم له أحد قواده وهو بشير بن ثور, فيقول له: أصلحك الله، والله ما جعل الله الشام من العراق خلفًا، والعراق أكثر من الشام حنطةً وشعيرًا، وديباجًا وحريرًا، وفضةً وذهبًا، وأوسع سعة وأعرض عرضًا، والله ما الشام كله إلا كجانب يسير في العراق.
وقد استطاع رضي الله عنه قطع المسافة في خمسة أيام اجتاز خلالها صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا عشب.
وصل خالد إلى الشام فكان أول ما قام به هو فتح منطقة أرج وقد باغت خالد أهلها وحاصرهم فاستسلموا ورضوا بدفع الجزية.
ثم تحرك إلى تدمر فحاصرها ولكنها استعصت عليه وتحصن أهلها داخل المدينة فأرسل لهم خالد رسالة يقول لهم فيها: "والله لو كنتم في السحاب لاستنزلناكم، ولظهرنا عليكم، وما جئناكم إلا ونحن نعلم أنكم ستفتحونها لنا، وإن أنتم لم تصالحوني هذه المرة، لأرجعنَّ إليكم، لو قد انصرفت من وجهي هذا، ثم لا أرتحل عنكم حتى أقتل مقاتلتكم، وأسبي ذراريكم"، فقاموا بتسليم المدينة وصالحوه على الجزية.
ثم قام رضي الله عنه بفتح (القريتين)، كما قام بالزحف إلى حواريين وحاصرها فرفض أهل المدينة قتاله وأرسلوا يطلبون المدد، فجاء المدد إليهم من بعلبك وبصري، فقام خالد بمهاجمة المدد القادم وهزمهم ثم عاد إلى المدينة وشدد عليهم الحصار فاستسلموا ودفعوا الجزية، كما توجه بعد ذلك إلى مرج راهط وانتصر عليهم وغنم وسبي.
يروي أحد من هُزِمَ في حواريين، ثم أسلم بعد ذلك يقول: "والله لقد خرجنا إلى خالد، وإنا لأكثر منهم بأضعافهم، فما هو إلا أن دنونا منهم فثاروا في وجوهنا بالسيوف، كأنهم الأُسْدُ، فهزمونا أقبح هزيمة، وقتلونا أشد القتل، وقد رأيت منا رجلاً كنا نَعُدُّه بألف رجل، وكان يقول: لئن رأيت أميرهم لأقتلنَّه، فلما رأى خالد قال له أصحابه: هذا أميرهم فاقتله، فأقبل على خالد، وحمل عليه، وإنا لنرجو أن يقتله من بأسه وشدته، فلما دنا من خالد استقبله خالد بالسيف، فضربه ضربة واحدة فأطار نصف وجهه وقَحْفَ رأسه، فدخلنا مدينتنا وما كان لنا من همٍّ إلا الصلح!!"، ويقول عن خالد عندما يقاتل: كان له هيبة، وكان يربو على القوم.
فتح بصري
وصل خالد رضي الله عنه إلى بصري فخرج إليه جيشها لقتاله فقسم خالد جيشه فجعل نفسه في القلب ورافع بن عمرو علي الميمنة وضرار بن الأزور علي الميسرة وقسم المؤخرة إلى نصفين المسيب بن نشبة يمينًا، ومذعور بن عدي شمالاً، وجعل مؤخرة الجيش بعيدة وأمرهم إلا يهاجموا حتي يأمرهم.
خرج جيش بصري من الحصن والتحم الجيشان واقتتلوا قتالاً شديداً وحمل جيش الروم على المسلمين حملة عظيمة فنادى خالد على الجيش بقوله: "يا أهل الإسلام الشدة الشدة، احملوا رحمكم الله عليهم، فإنكم إن قاتلتموهم محتسبين تريدون بذلك وجه الله، فليس لهم أن يواقفوكم ساعة".
وعندما نفد صبر الفريقين أمر خالد المؤخرة بالهجوم والتفت من أعلي القوم ثم هاجمت جيش الروم وقتل منهم مقتلة عظيمة وفر من بقي إلى داخل الحصن وأعلنوا الاستسلام ودفع الجزية.
وصلت أنباء موقعة بصرى إلى هرقل فقال:
« ألم أقل لكم: لا تقاتلوهم؟!! فإنه لا قوام لكم مع هؤلاء القوم ، فقال أخوه: قاتل عن دينك، ولا تجَبنِّ الناس، واقضِ الذي عليك, فقال: وأي شيء أطلب إلا توقير دينكم؟»

إرسال تعليق