نسبه ومولده
هو أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أُهَيْب بن ضبَّة بن الحارث بن فهر الفهري القرشي اشتهر بكنيته أبو عبيدة كما اشتهر بالنسب إلى جده فيقال أبو عبيدة بن الجراح، وأمه أميمة بنت غنم، كان مولده قبل الهجرة بأربعين سنة، وكان رجلاً نحيفًا معروق الوجه، خفيف اللحية طوالاً، أجنأ، أثرم (أي أنه قد كسرت بعض ثنيته)، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة.
أسرته
زوجَة أبي عبيدة وأمَّ أولاده هي هند بنت جابر بن وهب، وذُكر له ولدان يزيد وعُمير، وقد قال مصعب الزبيري أنه قد انقرض ولدُ أبي عبيدة وإخوتِه، وقال الزبير بن بكار: قد انقرض نسلُ أبي عبيدة وولدُ إخوته جميعاً، وقال ابن الأثير: «وقد انقرض ولد أبي عبيدة».
إسلامه وهجرته
كان رضي الله عنه من السابقين الأولين إلى الإسلام وقد أسلم على يدي أبي بكر الصديق، فمضى الصديق به وبعبد الرحمن بن عوف وبعثمان بن مظعون وبالأرقم بن أبي الأرقم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلموا بين يديه، وكان عمره 27 سنة، وقد هاجر رضي الله عنه إلى الحبشة ثم عاد منها وهاجر بعد ذلك إلى المدينة وقد آخي النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي طلحة وقيل سعد بن معاذ.
أبو عبيدة في العهد النبوي
شارك أبو عبيدة رضي الله عنه في كل الغزوات مع النبي صلى الله عليه وسلم كما كان أميراً علي بعض السرايا.
1- غزوة بدر
شهد أبو عبيدة رضي الله عنه غزوة بدر وأبلى مع غيره من المهاجرين والأنصار بلاءً حسناً، وقد قتل أبو عبيدة أباه في هذه الغزوة وكان كافراً، فعن عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة رضي الله عنه يحيد عنه، فلما أكثر الجرَّاح قصده أبو عبيدة فقتله؛ فأنزل الله فيه هذه الآية: {لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22]. وقيل إن هذا الخبر لايصح.
2- غزوة أحد
شهد أبو عبيدة رضي الله عنه غزوة أحد وكان من المدافعين عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي نزع حلقتي المغفر عندما دخلتا في وجنة النبي صلى الله عليه وسلم بثنيتيه، فانقلعت ثنيتاه، فحسن ثغره بذهابهما.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سمعت أبا بكر رضي الله عنه يقول: لما كان يوم أُحد ورُمي رسول الله في وجهه حتى دخلت في وجنتيه حلقتان من المغفر، فأقبلت أسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنسان قد أقبل من قِبل المشرق يطير طيرانًا، فقلت: اللهم اجعله طاعة حتى توافينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قد بدرني، فقال: أسألك بالله يا أبا بكر إلاَّ تركتني فأنزعه من وجنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر رضي الله عنه: فتركته. فأخذ أبو عبيدة بثنية إحدى حلقتي المغفر فنزعها وسقط على ظهره، وسقطت ثنيَّة أبي عبيدة رضي الله عنه، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيَّةٍ أخرى فسقطت، فكان أبو عبيدة في الناس أثرم.
3- سرية ذات السلاسل
أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى أرض بَلِيّ وعُذْرة في غزوة ذات السلاسل وذلك عام 8ه فوجد عمرو رضي الله عنه أن أعدائه كثر، فأرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب المدد، فانتدب النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين الأولين وأبو بكر وعمر في وأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وأرسلهم لعمرو بن العاص رضي الله عنه. فلما قدموا عليه، قال عمرو رضي الله عنه: أنا أميركم. فقال المهاجرون: بل أنت أمير أصحابك، وأبو عبيدة أمير المهاجرين. فقال: إنما أنتم مددي. فلما رأى ذلك أبو عبيدة رضي الله عنه، قال: تعلم يا عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: "إن قدمت على صاحبك فتطاوعا"، وإنك إن عصيتني أطعتك.
أبو عبيدة في عهد الخلفاء الراشدين
1- يوم السقيفة
كان أبو عبيدة مع الصديق وعمر رضي الله عنهما عندما ذهبوا إلى السقيفة وقد قدمه الصديق مع عمر إلى الأنصار لكي يبايعوهما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم السقيفة: "قد رضيت لكم أحد هذيْن الرجلين"، يعني عُمر وأبا عبيدة، وهذا يدل على أنه كان أهلاً للخلافة، في منزلة أبي بكر وعمر، مع العلم أن أبا عبيدة لم يكن من علياء قريش، ولكنه حصل على الكفاءة بخدمته الجليلة في الإسلام، وبتفرّده وتفوّقه في مناقب القيادة.
وقد أراد الصديق أن يستخلف أبو عبيدة رضي الله عنه (بعث أبو بكر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة رضي الله عنه هلُمَّ حتى أستخلفك؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن لكل أمة أمينًا، وأنت أمين هذه الأمة". فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: ما كنت لأتقدم رَجُلاً أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤُمَّنا.)
وقد قال للأنصار محاولاً جمع الكلمة والأتفاق علي خليفة قال يوم السقيفة: "يا معشر الأنصار، إنكم أول من نصر وآزر، فلا تكونوا أول من بدل وغيَّر".
2- المشاركة في فتح الشام
شارك أبو عبيدة رضي الله عنه في فتح الشام وكان قائد أحد الجيوش الأربعة التي اتجهت لفتح الشام كما كان القائد العام على الجيوش الأربعة.
ثم عندما أمر الصديق رضي الله عنه خالد بن الوليد أن يتجه إلى الشام وجعله الأمير علي جميع الجيوش وقد شارك أبو عبيدة رضي الله عنه في فتح بصري ومعركة أجنادين.
عهد الفاروق رضي الله عنه
بعد تولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة أرسل إلى أو عبيدة رضي الله عنه يوليه علي الجند فقال له: "أوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه، الذي هدانا من الضلالة وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد، فقم بأمرهم الذي يحق عليك".
ولما علم خالد بعزله وتولي أبو عبيدة قال خالد بن الوليد: «بُعث عليكم أمين هذه الأمة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»، فقال أبو عبيدة: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خالد سيف من سيوف الله ونِعْمَ فتى العشيرة».
وقد شارك رضي الله عنه في معركة اليرموك وفتح دمشق.
وفاته رضي الله عنه
وعندما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالشام وقع طاعون عمواس وقد استشار أصحابه أيكمل ويدخل الشام أم يعود؟ فأشاروا عليه بالعودة فوافق على ذلك وقرر العودة فقال له أبو عبيدة بن الجراح: «أفراراً من قدرِ الله؟»، فقال عمر: «لو غيرُكَ قالها يا أبا عبيدة، نعم، نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيتَ لو كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان: إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟».
وعندما اشتد الطاعون ببلاد الشام وبلغ ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة ليخرجه منها: «أن سلامٌ عليك، أما بعد: فإنه قد عُرِضَتْ لي حاجةٌ أريد أن أُشافِهَك فيها، فعزمتُ عليك إذا نظرت في كتابي ألا تضعه من يدك حتى تُقبِل إليَّ»، فعَرف أبو عبيدة إنما أراد أن يستخرجه من الوباء، فقال: «يغفرُ الله لأمير المؤمنين»، ثم كتب إليه: «يا أمير المؤمنين، إني قد عرفتُ حاجتك إليَّ، وإني في جُند من المسلمين، لا أجدُ بنفسي رغبةً عنهم، فلستُ أريد فراقَهم حتى يقضيَ الله فيَّ وفيهم أمرَه وقضاءه، فحلّلني من عزمتك يا أمير المؤمنين ودعني في جندي»، فلما قرأ عمرُ الكتاب بكى. فقال الناس: «يا أمير المؤمنين! أمات أبو عبيدة؟» قال: «لا، وكأن قد».
وروى الذهبي: أنَّ وَجَعَ عمواس كان معافىً منه أبو عبيدة وأهله، فقال: «اللهم نصيبَك في آل أبي عبيدة»، فخرجتْ بأبي عبيدة في خنصره بثرة، فجعل ينظر إليها، فقيل له: «إنها ليست بشيء»، فقال: «أرجو أن يبارك الله فيها، فإنه إذا بارك في القليل كان كثيراً».
لما أصيب أبو عبيدة قالوا لمعاذ بن جبل: «صلِّ بالناس»، فصلى معاذ بهم، ثم خطب فقال: «أيها الناس، إنكم فُجِعْتُم برجل ما رأيت أحداً من عباد الله قط أقل حقداً ولا أبرأ صدراً ولا أبعد غائلة ولا أشد حياءً ولا أنصح للعامة منه، وذلك هو أبو عبيدة بن الجراح، فترحموا عليه، رضي الله عنه».
تُوُفي أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه في طاعون عَمْواس سنة ثماني عشرة، عن ثمانٍ وخمسين سنة، وصلى عليه معاذ بن جبل رضي الله عنه.
مناقب وفضائل أبو عبيدة رضي الله عنه
1- لقبه النبي صلى الله عليه وسلم أمين هذه الأمة وذلك أنه جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه. قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيًّا فلاعنَّا، لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلاً أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا. فقال: "لأبعثن معكم رجلاً أمينًا حق أمين". فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح". فلما قام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا أمين هذه الأمة".
2- وقد أراد عمر أن يستخلفه من بعده لو كان حياً قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يجود بأنفاسه: ( لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا لاستخلفته فإن سألني ربي عنه، قلت: استخلفت أمين الله، وأمين رسوله ).
3- عن ابن أبي مليكة سمعت عائشة وسئلت من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفا لو استخلفه قالت أبو بكر فقيل لها ثم من بعد أبي بكر قالت عمر ثم قيل لها من بعد عمر قالت أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا.
4-أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي عبيدة رضي الله عنه بأربعة آلاف درهم وأربعمائة دينار، وقال لرسوله: انظر ما يصنع؟ فقسّمها أبو عبيدة رضي الله عنه، فلما أخبر عمرَ رسولُه بما صنع أبو عبيدة بالمال، قال: "الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا".
5-أن عمر حين قدم الشام قال لأبي عبيدة: «اذهب بنا إلى منزلك»، قال: «وما تصنعُ عندي؟ ما تريد إلا أن تعصر عينيك عليّ»، فدخل فلم يرَ شيئاً، قال: «أين متاعك؟ لا أرى إلا لِبداً وصَحْفةً وشنَّاً، وأنت أمير، أعندك طعام؟»، فقام أبو عبيدة إلى جَوْنةٍ فأخذ منها كسيرات، فبكى عمر، فقال له أبو عبيدة: «قد قلت لك: إنك ستعصر عينيك عليّ، يا أمير المؤمنين، يكفيك ما يبلغك المقيل»، قال عمر: «غيَّرتنا الدنيا كلَّنا غيرَك يا أبا عبيدة». قال الذهبي: أخرجه أبو داود في سننه وقال: «وهذا والله هو الزهد الخالص، لا زهدَ مَن كان فقيراً مُعدَماً».
-----------------------------------------------
*المصادر
- سير أعلام النبلاء
- الإصابة في تمييز الصحابة
- أسد الغابة في معرفة الصحابة

إرسال تعليق