قصة حفر عبد المطَّلب جدِّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لزمزم
وكان حفر عبد المطلب لهذا البئر بعد حادثة الفيل وذلك أنه رأى في منامه هاتفًا يقول له “احفر زمزم”، ثم عاوده الهاتف فقال: احفر زمزم بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب، في قرية النمل مستقبلة الأنصاب الحمر، فلما استيقظ عبد المطلب، وذهب إلى المسجد الحرام، جلس فيه؛ فرأى ما سُمِّي له، حيث نحرت بقرة بالحزورة فانفلَّتت من جازرها حتى غالبها الموت في المسجد في موضع زمزم، فذبحت تلك البقرة في مكانها حتى احتمل لحمها؛ وجاء غراب فهوى حتى وقع في الفرث، واجتمع حول ما تبقى النملُ، وعندئذ عرف عبد المطلب مكان البئر.
فقام عبد المطلب فحفر هناك فجاءته قريش: فقالت له: ماذا تفعل، لِمَ تحفر في مسجدنا؟ فقال عبد المطلب: إني حافر هذه البئر، ومجاهد مَن صدني عنها؛ فطفق هو وابنه الحارث وليس له ولد يومئذ غيره، فسفه عليهما يومئذ أناسٌ من قريش وأنكروا ذلك فنازعوهما وقاتلوهما، وامتنع أناس آخرون لما يعلمون من عتاقة نسبه حتى اشتد عليه الأذى؛ فنذر إن وفّى له عشرة من الولد أن ينحر أحدهم، ثم تزوج عبد المطلب حتى وُلِدَ له عشرة ذكور.
فأراد أن يوفي بنذره فهمَّ بنحر أحدهم، وأصابت القرعة عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم وكان أحبهم إليه، فاقترحوا عليه أن يقترع بين ابنه وعشر من الأبل فإن كانت الأبل ذبحها وإن كان ابنه زاد علي الأبل عشراً فكرروا القرعة إلى أن افتدى عبد الله بمائة ناقة.
قال ابن إسحاق: فلـمَّا تبين له شأنُها، وتعرف على موضعها، وعَرَف أنَّه قد صُدِق؛ أخذ مِعْوَلِهِ ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، وليس معه يومئذٍ ولدٌ غيره، فحفر في الموضع الذي عرفه، حتي بدا لعبد المطلب الطَّيُّ؛ فكبَّر، فعرفت قريش أنَّه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه، فقالوا: يا عبد المطلب إنَّها بئر أبينا إسماعيل، وإنَّ لنا فيها حقًّا، فأشركنا معك فيها. قال: ما أنا بفاعلٍ، إنَّ هذا الأمر قد خُصِصْتُ به دونكم، وأُعطيته من بينكم. قالوا له: فإنَّا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من أحاكمكم إليه. قالوا: كاهنة بني سعدٍ بن هُذَيم. قال: نعم.
فركب عبد المطَّلب وركب من كلِّ قبيلةٍ من قريش نفرٌ حتَّى إذا كانوا بالطريق نفد الماء مع عبد المطلب، وأصحابه، وعطشوا حتَّى استيقنوا بالهلكة، فقال عبد المطَّلب: إنِّي أرى أن يحفر كلُّ رجلٍ منكم حفرته لنفسه فكلَّما مات رجلٌ دفعه أصحابه في حفرته، حتَّى يكون آخرهم رجلاً واحداً، فَضَيْعةُ رجلٍ واحدٍ أيسر من ضيعة ركبٍ جميعـه، فوافقوا علي اقتراحهح وحفر كلُّ رجلٍ لنفسه حفرةً، ثمَّ قعدوا ينتظرون الموت عطشاً، ثمَّ قال عبد المطلب لأصحابه: والله إنَّ إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض، ولا نبتغي لأنفسنا لَعَجْزٌ، فعسى الله أن يرزقنا ماءً ببعض البلاد، ارتَحلوا. فارتحلوا؛ حتَّى إذا بعث عبد المطَّلب راحلته انفجرت من تحت خفِّها عين ماءٍ عذبٍ، فكبَّر عبد المطلب، وكبَّر أصحابه، ثمَّ نزل، فشرب، وشرب أصحابه، ثمَّ دعا قبائل قريش فقال: هَلُمُّوا إلى الماء ؛ فقد سقانا الله ، فجاؤوا ، فشربوا ، واستقوا كلُّهم، ثمَّ قالوا: والله لقد قضى لك علينا، والله ما نخاصمك في زمزم أبداً، إنَّ الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو الَّذي سقاك زمزم، فارجع فرجع، ورجعوا معه، ولم يصِلوا إلى الكاهنة، وخَلُّوا بينه وبين زمزم».

إرسال تعليق