نسبه ومولده
عقبة بن نافع بن عبد القيس بن لقيط بن عامر بن أمية بن الظرب بن أمية بن الحارث بن فهر القرشي.
أبوه: نافع بن عبد القيس أسلم وشهد فتح مصر وعاش الي خلافة عثمان بن عفان.
أمه: سلمي بنت حرملة تلقب بالنابغة سبية من بني جلان بن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار فهو أخو عمرو بن العاص لأمه وفي رواية أنه ابن خالة عمرو بن العاص وعلي كل فعقبة من أقرباء عمرو بن العاص من جهة الأم ووالداه من السابقين إلى الإسلام.
ولد عقبة قبل الهجرة بسنة واحدة فكانت نشأته اسلامية خالصة ولا تصح له صحبة وقيل له صحبة وعلي كل حال فهو صحابي بالمولد.
مناقبه وصفاته
كان عقبة متدينا وشجاعا وحازما وكان ذا دعوة مستجابة وما وصل عقبة هذه المنزلة الرفيعة في الجهاد والقيادة إلّا لمُقوّمات كانت عنده؛ فقد كان يتّقي الله في شأنه كلّه، ويُكثر من ذِكره، والاستعانة به، وتفويض الأمر إليه، وكان يعتقد بأنّ النصر من عند الله، وكان حَسَن المعاملة مع جنوده؛ فكان يُحبّهم ويُحبّونه، ويثق بهم، ويطمئنّ على أمورهم، ويُجازي المُحسن منهم بما يستحقّ من الخير، ويتغاضى عن أخطائهم الصغيرة، ويُعاتب المُقصّر والمُخطئ بعبارة حَسنة، ولا يتتبّع عوراتهم، ولا زلّاتهم.
وتميز عقبة برجاحة عقله وبخبرته في أمور الحرب والمكيدة والتدابير إضافة إلى أنّه كان مُتمكِّناً في الاستراتيجيّات العسكرية، ذا معرفة فيها، كمبدأ المُباغتة، وتأمين خطوط المواصلات، وإرسال الاستطلاعات، والحفاظ على المعنويّات، وغيرها من الاستراتيجيّات العسكريّة.
مشاركته في فتح مصر
اشترك عقبة وأبوه نافع في الجيش الذي توجه لفتح مصر بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه، ولقد توسم فيه عمرو أنه سيكون له شأن كبير ودور في حركة الفتح الإسلامي، لذلك أسند إليه مهمة قيادة دورية استطلاعية لدراسة إمكانية فتح الشمال الإفريقي، وعندما عاد عمرو رضي الله عنه إلى مصر بعد فتح تونس، جعل عقبة بن نافع واليًا عليها على الرغم من وجود العديد من القادة الأكفاء والصحابة الكبار، مما يدل على نجابة هذا البطل الشاب.
كما أرسله عمرو بن العاص الي بلاد النوبة لفتحها فلاقي هناك مقاومة شرسة من النوبيين ولكن هذه المعركة مهدت السبيل لمن جاء بعده لفتح هذه البلاد كما أسند اليه عمرو مهمة تأمين الحدود الجنوبية والغربية لمصر ضد هجمات الروم والبربر, وتعاقبت عدة ولاة على مصر بعد عمرو بن العاص رضي الله عنه منهم عبد الله بن أبي السرح ومحمد بن أبي بكر ومعاوية بن حديج رضي الله عنهم وغيرهم، كلهم أقر عقبة بن نافع في منصبه كقائد لحامية برقة.
عقبة وفتح الشمال الأفريقي
ظل عقبة كقائد الحامية الاسلامية في برقة في عهدي الخليفتين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابتعد بنفسه عن أحداث الفتنة ولم يشارك فيها حتي استقر الأمر لمعاوية فأصبح معاوية بن حديج واليا علي مصر وقام بارسال عقبة الي الشمال الافريقي لمواصة حركة الفتوحات الاسلامية هناك.
كان أول مابدأ به عقبة هو تأديب القري التي خلعت طاعة المسلمين بعد اشتعال الفتنة بين المسلمين فأدبهم أشد تأديب بما يردعهم عن المعاودة للخلاف.
كما قام عقبة بتطهير المنطقة الممتدة من حدود مصر الغربية حتي تونس من حاميات الروم ومن جيوب المقاومة البربرية المتناثرة.
تأسيس مدينة القيروان
أسباب بناء مدينة القيروان
1- تثبيت أقدام المسلمين والدعوة الإسلامية هناك وذلك أن عقبة قد لاحظ أمرًا هامًّا أن أهل الشمال الإفريقي إذا جاءهم المسلمون يظهرون الإسلام وإذا انصرفوا عنهم رجعوا مرة أخرى إلى الكفر، فكان بناء مدينة إسلامية خير علاج لهذه الظاهرة الناجمة عن غياب قاعدة إسلامية ثابتة للإسلام لنشر الهدى والنور وسط ظلمات البربر.
2- ضرورة تكوين قاعدة حربية ثابتة في مواجهة التهديدات الرومية المتوقعة بعد فتح الشمال الإفريقي.
3- أن تكون هذه المدينة دار عزة ومنعة للمسلمين الفاتحين، ذلك لأنهم تفرقوا في البلاد كحاميات على المدن المفتوحة، وهذا التفرق قد يورث الضعف والوهن مع مرور الوقت خاصة لو دهم عدو كبير العدد هذه البلاد.
ولهذه الأسباب وغيرها شيد عقبة بن نافع مدينة القيروان لتكون قاعدة حربية ومركزا لنشر الدين وانطلاق الجيوش لعمليات الفتوحات.
وهناك كرامة هائلة حدثت لعقبة عند اختياره لمكان بناء نذكرها هنا:
فقد انطبقت كل الشروط المطلوب توافرها في المنطقة المختارة لبناء المدينة في منطقة أحراش مليئة بالوحوش والحيات، فقال له رجاله: "إنك أمرتنا بالبناء في شعاب وغياض لا ترام، ونحن نخاف من السباع والحيّات وغير ذلك من دواب الأرض"، وكان في عسكره خمسة عشر رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعهم وقال: "إني داعٍ فأمّنوا"، وبالفعل دعا الله عز وجل طويلاً والصحابة والناس يأمّنون، ثم قال عقبة مخاطبًا سكان الوادي: "أيتها الحيّات والسباع، نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتحلوا عنا فإنا نازلون، ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه".
فخرجت السباع من الأحراش تحمل أشبالها والذئب يحمل جروه، والحيّات تحمل أولادها، في مشهد لا يرى مثله في التاريخ، فنادى عقبة في الناس: "كفوا عنهم حتى يرتحلوا عنا" وهذه الكرامة تثبت ماذكرناه سابقا من أن عقبة كان شديد الايمان بالله شديد الثقة به ومستجاب الدعوة والكرامة هي تكلمه مع الحيوانات البهائم التي لا تعقل ولا تفهم، فيطيعونه ويسمعون أوامره، وهكذا يصبح الكون كله ومن فيه مسخرًا لخدمة المجاهدين وغايتهم السامية.
استمر بناء مدينة القيروان قرابة الخمس سنوات، حتى أصبحت القيروان درّة المغرب، وشيّد عقبة بها جامعًا كبيرًا أصبح منارة العلم وقبلة طلاب العلم والشريعة من كل مكان، وملتقى للدعاة والعلماء والمجاهدين، وأصبح جامع القيروان أول جامعة إسلامية على مستوى العالم, وذلك قبل الأزهر بعدة قرون.
عزل عقبة عن القيادة
وبعد انتهاء عقبة من بناء المدينة جاءه الأمر من الخليفة بعزله وتولية أبو المهاجر دينار القيادة وهو رجل مشهور بالكفاءة وحسن القيادة. فما كان من عقبة الا الامتثال فورًا للأمر وانتظم في سلك الجندية ولم يتذمر أو يغضب بسبب ذلك لأن الغاية هي رفع راية الاسلام واستكمال الفتوحات وليس مهما من يحمل الراية.
وقد استطاع أبو المهاجر إقناع كسيلة بن لمزم زعيم قبائل البربر بالإسلام ولكن عقبة الخبير بطبائع البربر، لم يطمئن لإسلام كسيلة خاصة وأنه قد أسلم بعد وقوعه في أسر المسلمين وبعدما ذاق حر سيوفهم، وقد صدق هذا الحدس.
عودة عقبة للقيادة
لم يمض كثيرا حتي عاد عقبة للقيادة مرة أخري واستكمل من المكان الذي توقف فيه أبو المهاجر فتحرك عقبة تجاه مدينة باغاية، ثم نزل على مدينة تلمسان، وبها جيش ضخم من الروم وكفار البربر، وهناك دارت معركة شديدة استبسل فيها الروم والبربر في القتال وكان يومًا عصيبًا على المسلمين، حتى أنزل الله عز وجل نصره على المؤمنين، واضطر الأعداء للتراجع حتى منطقة الزاب.
ثم تحرك عقبة في منطقة الزاب ففتح مدينة أربة وكان حولها ثلاثمائة وستون قرية عامرة، ففتحها عقبة ورحل عقبة بعدها إلى مدينة ثاهرت التقى المسلمون بأعدائهم وقاتلوهم قتالاً شديدًا وكان النصر فيها للمسلمين, ثم سار عقبة حتي نزل على طنجة فلقيه أحد قادة الروم واسمه جوليان فخضع لعقبة ودفع له الجزية، فسأله عقبة عن مسألة فتح الأندلس, فقال له جوليان: أتترك كفار البربر خلفك وترمي بنفسك في بحبوحة الهلاك مع الفرنج؟ فقال عقبة: وأين كفار البربر؟ فقال: في بلاد السوس وهم أهل نجدة وبأس, فقال عقبة: وما دينهم؟ قال: ليس لهم دين فهم على المجوسية.
فتوجه اليهم عقبة وهزمهم حتى وصل بخيله إلى المحيط الأطلنطي فاخترق عقبة بفرسه ماء المحيط، ثم قال بقلب المؤمن الصادق الغيور الذي بذل واستفرغ كل جهده وحياته لخدمة الإسلام: "يا رب لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدًا في سبيلك، اللهم اشهد أني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بك حتى لا يعبد أحد دونك".
استشهاده رضي الله عنه
بعد الانتصارات التي حققها عقبة قرر العودة إلى القيروان، فلما وصل إلى طنجة أذن لمن معه من الصحابة أن يتفرقوا ويقدموا القيروان أفواجًا ثقة منه بما نال من عدوه، ومال عقبة مع ثلاثمائة من أصحابه إلى مدينة تهوذة، فلما رآه الروم في قلة من أصحابه طمعوا فيه، وأغلقوا باب الصحن وشتموه وهو يدعوهم إلى الإسلام, وعندها أظهر كسيلة مكنون صدره الذي كان منطويًا على الكفر والغدر والحسد، واستغل قلة جند عقبة واتفق مع الروم على الغدر بعقبة, وأرسل إلى إخوانه البربر الوثنيين, وجمع جموعًا كثيرة للهجوم على عقبة ومن معه.
كان أبو المهاجر في ركب عقبة ولكن عقبة قد غضب منه فقيده، فلما رأى أبو مهاجر هجوم كسيلة ومن معه، أنشد أبيات أبي محجن الثقفي المشهورة:
كفى حزنًا أن ترتدي الخيل بالقنا *** وأترك مشدودًا عليّ وثاقـيـا
إذا قمت عناني الحديد فأغلقت *** مصـارع دوني قد تصـم المناديا
ففك عقبة وثاقه، وقال له: "الحق بالقيروان وقم بأمر المسلمين وأنا أغتنم الشهادة"، فقال أبو المهاجر: "وأنا أيضًا أريد الشهادة".
وكسر عقبة والمسلمون أجفان سيوفهم واقتتلوا مع البربر حتى استشهد عقبة وكل من معه في أرض الزاب بتهوذة وذلك سنة 63 هجرية فرحم الله عقبة ومن معه من الأبطال المجاهدين وجزاهم الله خيرا علي ماقدموا للاسلام والمسلمين.
إرسال تعليق