نسبه وإسلامه
عبد الله بن سلام هو ابن الحارث الإسرائيلي ثم الأنصاري
حبر اليهود، يكنى أبا يوسف وهو من ولد يوسف بن يعقوب عليهما الصلاة والسلام
كان حليفًا للأنصار، وكان اسمه في الجاهلية الحصين فلما أسلم سماه رسول
الله عبد الله.
كان عبد الله بن سلام حبرًا من أحبار اليهود الكبار في
المدينة المنورة، وكان أهل المدينة على اختلاف مللهم ونحلهم يُجلُّونه
ويعظِّمونه، وقد اقتنع بالإسلام وأسلم،ونزل فيه قول الله تعالى: {وَشَهِدَ
شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأحقاف:10], وآية: {قُلْ كَفَى
بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ
الْكِتَابِ} [الرعد:43]، أسلم عبد الله بن سلام أول ما قدم النبي صلى الله
عليه وسلم المدينة.
قال عبدالله بن سلام: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة انْجَفَلَ النَّاسُ قِبَلَهُ،
وَقِيلَ:قد قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ، قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ، ثَلاثًا،
فجِئْتُ في النَّاسِ لأَنْظرَ، فلمَّا تَبيَّنْتُ وجْههُ عرَفتُ أَنَّ
وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فكان أوَّلُ شيْءٍ سمعْتُهُ تَكَلَّمَ
بِهِ أَنْ قَالَ:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلامَ، وَأَطْعِمُوا
الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ
نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ"، فدنوت منه وشهدتُ أن لا إله إلا
الله، وأنَّ محمداً رسول الله، فالتفتَ النبي عليه الصلاة والسلام وقال:
"ما اسمك؟" فقلتُ: الحصين بن سلام، فقال عليه الصلاة والسلام: "بل عبد الله
بن سلام"، قلت: نعم، عبد الله بن سلام، والذي بعثك بالحق ما أُحبُّ أنّ لي
اسماً آخر بعد اليوم
يقول عبدالله بن سلام: لمّا سمعت رسول الله عرفت
صفتَهُ واسمَهُ وزمانه وهيئته، والذي كنّا نتوكّف -نتوقع- له، فكنت
مُسِرًّا لذلك صامتًا عليه حتى قدم رسول الله المدينة، فلمّا قَدِمَ نزل
بقباء في بني عمرو بن عوف، فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لي
أعمل فيها، وعمّتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة، فلمّا سمعتُ الخبر بقدوم
رسول الله كبّرت، فقالت لي عمّتي حين سمعت تكبيري: لو كنتَ سمعت بموسى بن
عمران قادمًا ما زدت!؟، قُلتُ لها: أيْ عمّة، هو واللـه أخـو موسى بن عمران
وعلى دينه، بُعِـثَ بما بُعِثَ به فقالت لي: أيْ ابن أخ، أهو النبي الذي
كُنّا نُخبَرُ به أنه بُعث مع نَفَسِ السّاعة، فقلت: نعم، قالت: فذاك إذًا.
فأتى
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمها إلا نبي:
ما أول أشراط الساعة؟ وما أول ما يأكل أهل الجنة؟ ومن أين يشبه الولد أباه
وأمه؟ فقال : "أخبرني بهنَّ جبريل آنفًا". قال: ذاك عدو اليهود من
الملائكة، فقرأ هذه الآية, قوله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا
لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} [البقرة: 97].
قال:
"أمّا أول أشراط الساعة فنار تخرج من المشرق، فتحشر الناس إلى المغرب وأما
أول ما يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد حوت. وأما الشَّبَهُ، فإذا سَبَقَ ماء
الرجل نَزَعَ إليه الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزع إليها".
قال: أشهد أنك رسول الله.
وقال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، وإنهم إنْ يعلموا بإسلامي بهتوني، فأرسلْ إليهم، فسَلْهُمْ عنِّي، فأرسل إليهم.
فقال: "أي رجل ابن سلام فيكم؟"
قالوا: حَبْرُنا وابن حبرنا، وعالمنا وابن عالمنا.
قال: "أرأيتم إن أسلم، تسلمون؟" قالوا: أعاذه الله من ذلك!
قال: فخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله ; وأن محمدًا رسول الله.
فقالوا: شرُّنا وابن شرِّنا، وجاهلنا وابن جاهلنا.
فنزل
قوله تعالى:{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى
مِثْلِهِ فَآَمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ } (الأحقاف 10)
قال ابن عباس ومقاتل: لما أسلم عبد الله
بن سلام، وثعلبة بن أسعد، وأسيد بن سعنة، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من
اليهود، قالت أحبار اليهود: ما آمن لمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من أخيارنا
لما تركوا دين آبائهم، وقالوا لهم: لقد خنتم حين استبدلتم بدينكم دينا
غيره، فأنزل الله تعالى { لَيْسُوا سَوَاءً }(آل عمران: من الآية113).
من مواقفه مع النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته
من فضائله رضي الله عنه أنه من المبشرين بالجنة
فعن
سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِىَ بقصعةٍ فأكل منها
ففضلت فضلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يجئ رجل من هذا الفج من
أهل الجنة يأكل هذه الفضلة، قال سعْدٌ: وكنت تركت أخي عميراً يتوضأ، قال
فقلت: هو عمير، قال: فجاء عبد الله بن سلام.
وفي الصحيحين من حديث سعد
بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول
لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام قال: وفيه
نزلت هذه الآية ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ
فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ).
وعن زيد بن رفيع عن معبد الجهنيّ قال:
كان رجل يقال له زيد بن عَميرة السّكْسَكيّ، وكان تلميذًا لمعاذ بن جبل،
فحدّث أنّ مُعاذ بن جبل لمّا حضرته الوفاةُ قَعَد يزيدُ عند رأسه يبكي،
فنظر إليه معاذ فقال: ما يُبكيك؟ فقال له يزيد: أما واللهِ ما أبكي دُنيا
كنتُ أصِيبُها منك ولكنّي أبكي لِما فاتني من العِلْم! فقال له معاذ: إنّ
العلم كما هو لم يذهب، فاطلب العِلْمَ من بعدي عند أربعة: عند عبد الله بن
مسعود وعبد الله بن سلام الّذي قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "هو
عاشرُ عشرةٍ في الجنّة".
وأنه ممن يؤتون أجورهم مرتين فعبدالله بن سلام
من الذين يؤتون أجرهم مرتين، لقوله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لهم أجران:
رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، والعبد
المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمةٌ يطؤها فأدبها
فأحسن تأديبها وعلّمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران.
وفيه
أي في عبدالله بن سلام نـزل قوله تعالى: ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ )
فعلى رأي بعض المفسرين أن الذي عنده علم من الكتاب هو عبد الله بن سلام.
وأخرج
البخاري ومسلم عن قيس بن عُبَاد قال: كنت جالسا في مسجد المدينة فدخل رجل
على وجهه أثر الخشوع فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فصلى ركعتين تجوّز
فيهما ثم خرج وتبعته فقلت: إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا رجل من أهل
الجنة، قال: والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لم ذاك رأيت
رؤيا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه ورأيت كأني في روضة،
ذَكَرَ من سَعتها وخضرتـها وسَطَها عمودٌ من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في
السماء في أعلاه عُروة، فقيل لي: ارقـه قلت: لا أستطيع . فأتاني منصف
_والمنصف الخادم_ فرفع ثيابي من خلفي فرَقَيْتُ حتى كنت في أعلاها، فأخذت
بالعروة فقيل لي استمسك فاستيقظت وإنها لفي يدي فقصصتها على النبي صلى الله
عليه وسلم فقال: تلك الروضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك
العروة العروة الوثقى، فأنت على الإسلام حتى تموت، قال الراوي: وذاك الرجل
عبد الله بن سلام.
عن ابن أَخي عبد اللّه بن سَلاَم، قال: لما أَريد
قتل عثمان رضي الله عنه، جاءَ عبد اللّه بن سلاَم فقال له عثمان: ما جاءَ
بك؟ قال: جئت في نصرك. قال: اخرج إِلى الناس فاطْرُدْهم عَنّي، فإِنك خارج
خير إِليّ منك داخلٌ. فخرج عبد اللّه إِلى الناس فقال: أَيها الناس، إِنه
كان اسمي في الجاهلية فُلان، فسماني رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم عبدَ
اللّه، ونزلت فيَّ آيات من كتاب الله عز وجل، نزل فيَّ: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ
مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَئَامَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ}
[الأحقاف/10] ونزل فيَّ: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي
وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}. [الرعد/43] إِن لله سيفًا
مغمودًا عنكم، وإِن الملائكة قد جاورتكم في بلدكمْ هذا، الذي نزل فيه رسول
الله صَلَّى الله عليه وسلم، فالله اللّهَ في هذا الرجل، أَن تقتلوه،
فَوَاللّهِ لئن قتلتموه لتطرُدُنّ جيرانكم الملائكة، وَلَيُسَلَّنَّ سيفُ
اللّهِ المغمود عنكم فلا يُغْمَد إِلى يوم القيامة. قالوا: اقتلوا
اليهوديّ، واقتلوا عثمان.
ومن مواقفه مع الصحابة أنه نهى عبد الله بن
سلام عليّ بن أبي طالب عن خروجه إلى العراق، وقال: (الْزَمْ مِنْبرَ رسول
الله فإن تركته لا تراه أبدًا)، فقال عليّ: (إنّه رجلٌ صالحٌ منّا).
يقول
المغيرة بن عبد الرحمن: لقى سلمان الفارسي عبد الله بن سلام، قال: إن مت
قبلي فأخبرني ما تلقى، وإن مت قبلك أخبرك، قال: فمات سلمان الفارسي فرأه
عبد الله بن سلام، فقال: كيف أنت يا أبا عبد الله؟ قال: بخير، قال: أي
الأعمال وجدت أفضل؟ قال: وجدت التوكل شيئًا عجيبًا.
من صفات عبد الله بن سلام
كان
الحصين بن سلام معروفًا بين الناس بالتُّقَى والصلاح، موصوفًا بالاستقامة
والصدق، وكان يحيا حياةً هادئةً وديعة، ولكنها كانت في الوقت نفسه جادةً
نافعة، فقد قسم وقته أقسامًا ثلاثة؛ شطرًا للوعظ والعبادة، وشطرًا في بستان
له يتعهد نخله بالتشذيب والتأبير، وشطرًا مع التوراة للتفقه في الدين،
هكذا وصفوه، وكان كلما قرأ التوراة وقف طويلاً عند الأخبار التي تبشر بظهور
نبي في مكة، يتمم رسالات الأنبياء السابقين، ويختمها.
عن معاذ بن جبل قال: سمعت النبي يقول: "إن عبد الله بن سلام عاشر عشرة في الجنة".
وفاته رضي الله عنه
لزم عبد الله بن سلام المدينة المنورة، يعظ ويفتي ويشرح أمور الدين حتى تقدم به العمر، وتوفي سنة 43هـ وقد قارب السبعين من عمره، ودفن في المدينة المنورة. ويقال أنه دفن في غوطة دمشق الشرقية ببلدة تدعى سقبا وبني عند قبره مسجد يحمل اسمه.

إرسال تعليق