هجرة صهيب الرومي
كان أبوه حاكم الأبلة التابعة للفرس، وكانت منازلهم على دجلة من جهة الموصل، فنشأ صهيب هناك, وقد أغار الروم علي هذه المنطقة وقاموا بسبي صهيب فعاش بين الروم وأخذ لسانهم ثم اشتراه رجل من كلب فباعه بمكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان التميمي، فأعتقه، وكان يعمل بصناعة السيوف، وكانت هذه الصناعة تدرُّ عليه مالاً وفيرًا، وعندما جاء الإسلام سارع بالدخول فيه فكان من السابقين رضي الله عنه.
أما عن هجرته فيقول صهيب رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: "أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ سَبِخَةًبَيْنَ ظَهْرَانَيْ حَرَّةٍ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ هَجَرًا أَوْ تَكُونَ يَثْرِبَ". قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَخَرَجَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَكُنْتُ قَدْ هَمَمْتُ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ فَصَدَّنِي فِتْيَانٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَعَلْتُ لَيْلَتِي تِلْكَ أَقُومُ لاَ أَقْعُدُ، فَقَالُوا: قَدْ شَغَلَهُ اللهُ عَنْكُمْ بِبَطْنِهِ. وَلَمْ أَكُنْ شَاكِيًا، فَنَامُوا فَخَرَجْتُ، فَلَحِقَنِي مِنْهُمْ نَاسٌ بَعْدَمَا سِرْتُ بَرِيدًا لِيَرُدُّونِي، فَقُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ أَنْ أُعْطِيَكُمْ أَوَاقِيَ مِنْ ذَهَبٍ وَتُخَلُّونَ سَبِيلِي وَتَفُونَ لِي؟ فَفَعَلُوا، فَسُقْتُهُمْ إِلَى مَكَّةَ، فَقُلْتُ: احْفِرُوا تَحْتَ أُسْكُفَّةِ الْبَابِ فَإِنَّ تَحْتَهَا الأَوَاقِيَ، وَاذْهَبُوا إِلَى فُلاَنَةَ فَخُذُوا الْحُلَّتَيْنِ، وَخَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قُبَاءَ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْهَا، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: "يَا أَبَا يَحْيَى؛ رَبِحَ الْبَيْعُ". ثَلاَثًا، فَقُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللهِ مَا سَبَقَنِي إِلَيْكَ أَحَدٌ، وَمَا أَخْبَرَكَ إِلاَّ جِبْرِيلُ عليه السلام".
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ رحمه الله قَالَ: «لَمَّا أَقْبَلَ صُهَيْبٌ مُهَاجِرًا نَحْوَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ نَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ وَانْتَثَلَ مَا فِي كِنَانَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْمَاكُمْ رَجُلاً، وَايْمُ اللهِ لاَ تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَرْمِيَ بِكُلِّ سَهْمٍ مَعِي فِي كِنَانَتِي، ثُمَّ أَضْرِبُ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِي مِنْهُ شَيْءٌ، افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ، دَلَلْتُكُمْ عَلَى مَالِي وَثِيَابِي بِمَكَّةَ وَخَلَّيْتُمْ سَبِيلِي؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ قَالَ: "رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى، رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى". قَالَ: وَنَزَلَتْ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ} [البقرة: 207] الآيَةَ".
لقد حدَّث صهيبٌ رضي الله عنه نفسه قائلاً: ما قيمة المال ولو كان كل مال الدنيا، إن أنا خالفت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تخلَّفْتُ عن صحبة المؤمنين؟، لقد ترك صهيب رضي الله عنه كل ثروته وتجارته الرابحة وكل ما جمعه في عدة سنين مقابل اللحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته في المدينة، ولهذا عندما عَلِمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الموقف قال: "رَبِحَ صُهَيْبٌ رَبِحَ صُهَيْبٌ". وعندما رأى صهيبًا رضي الله عنه في المدينة كرَّر المعنى نفسه قائلاً: "يَا أَبَا يَحْيَى! رَبِحَ الْبَيْعُ"، وَنَزَلَتْ آية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ} [البقرة: 207] في هذا الموقف.
هجرة عياش بن أبي ربيعة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما
لقد حاولت قريش إحباط هجرة الصحابة رضي الله عنهم إلى المدينة واستخدمت الكثير من الأساليب من أجل ذلك ومن ضمنها أسلوب الاختطاف وهو ما حدث مع عياش بن أبي ربيعة رضي الله عنه.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اتعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعياش ابن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل السـهـمي التَنَاضُبَ من أضَاةِ بني غفار فوق سَرِف، وقلنا: أينا لا يصبح عندها فقد حُبس، فليمض صاحباه, قال:فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب، وحبس عنها هشام، وفتن فافتتن.
فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل ابن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما حتى قدما علينا المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فكلماه، وقالا: إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراك، فرقّ لها.
فقلت له: يا عياش إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم.
فقال: أبر قسم أمي، ولي هناك مال فآخذه.
فقلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالاً، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما.
فأبى عليّ إلا أن يخرج معهما.
فلما أبى إلا ذلك قلت: أما إذا قد فعلت ما فعلت؛ فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها، فخرج عليها معهما.
حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: والله يا أخي لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى.
قال: فأناخ وأناخ ليتحول عـلـيـهــا، فلما استووا بالأرض عدوا عليه، فأوثقاه وربطاه، ثم دخلا به مكة وفَتنَاه فافتتن.
قال ابن إسحاق: فحدثني به بعض آل عياش بن أبي ربيعة: أنهما حين دخلا به مكة دخلا به نهارًا موثَّقًا ثم قالا: يا أهل مكة هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا.
قال عمر: فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفاً ولا عدلاً ولا توبة، قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم.
قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم: ((قـل يـا عـبــــادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هـو الغـفـــــور الرحيم * وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون)) [الزمر:53-54].
قال عمر بن الخطاب: فكتبتها بيدي في صحيفة، وبعثت بها إلى هشام بن العاص.
قال: فـقـــال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى، أصعد بها فيه وأصوب ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم فهمنيها.
قال: فألقى الله تعالى في قلبي أنها إنما أنزلت فيما كنا نقول لأنفسنا ويقال فينا.
قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذه القصة تظهر لنا حرص أبي جهل، ذلك الذي يسافر، ويستخدم الأساليب الملتوية باسم البر بالوالدين وباسم الرحم كل ذلك في سبيل الصد عن دين الله، ثم لا يقتصر على ذلك، وبدلاً من دخول عياش إلى مكة على ناقته مكرماً معززاً نظراً لبره بأمه، فإنهما استخدما خدعة ماكرة؛ حـيــث أوثـقـاه وقيداه حتى يدخل مكة ذليلاً حقيراً كناية عن ذلة من اتبع محمداً، وإنذاراً لمن سولت لـه نفسه من قريش سلوك طريق عياش.
وعلي الجانب الآخر هناك عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي يأبى أن يهاجر كما يهاجر غيره، فنراه يختار صحبة رجلين، ومحاولته إقناع عياش بن أبي ربيعة بعدم الذهاب مع أبي جهل وكأنه عرف نية أبي جهل المبيتة، فهو هنا يعرض عليه نصف ماله، لا سلفة وإنما عطاء، كل ذلك ليثبته على الإســلام، وعندما لم تنجح هذه المحاولات عرض عليه ناقته وهي ذلول نجيبة من أطايب النــوق آنذاك حتى ينجو لو رابه أمر، ولكن ابن أبي ربيعة لم يعِ هذه المحاولات.
كذلك لم ينس صاحبه الذي حبس ليفتن في دينه، فنجد أن عمراً أخذ صحيفة كتب فيها هذه الآيات، ونفع الله بهذه الصحيفة، وهاجر هشام بن العاص إلى المدينة على يدي عمر رضي الله عنه.
لقد كانت الهجرة أمراً إجبارياً علي المسلمين الذين بمكة فالذين لم يهاجروا من الصحابة من مكة إلى المدينة إما أن يكونوا مستضعفين غير قادرين على الهجرة؛ فهؤلاء معذورون، ولا شيء عليهم، وإما أن يكونوا قادرين عليها لكنهم لم يهاجروا حتى ماتوا؛ فهؤلاء تاركون لواجب، وواقعون في ذنب عظيم، وخطيئة كبيرة، ولكنهم مسلمون على كل حال، وليسوا كفارًا ولا مرتدين بتركهم للهجرة.
وقد قال الله تعالى في حال هذين الفريقين من تاركي الهجرة: "إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا* إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا* فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا" [سورة النساء: 97 - 99]
وعن ابن عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا أنه قال: "إن أُناساً من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سواد المشركين على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيأتي السهم فيُرمى، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضربُه فيقتله، فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ)", فسماهم ابن عباس رضي الله عنهما مسلمين، برغم هذا الوعيد الشديد.

إرسال تعليق