تاريخ ويب  تاريخ ويب
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

فتوحات الشام في عهد أبو بكر الصديق


مقدمة

بعد فتح الحيرة أرسل خالد شرحبيل بن حسنة إلى الصديق بالغنائم التي غنمها المسلمين من الفتح، وبعد أن وصل شرحبيل وبلغ الخبر للصديق قال له: أتحدثك نفسك أن تُرسل جيشًا إلى الشام؟ فتعجب أبو بكر من هذا السؤال فقد كان يحدث نفسه بفتح الشام ولكن لم يخبر أحداً بذلك، فقال لشرحبيل: نعم، قد حدثت نفسي بذلك، وما أطلعت عليه أحدًا، وما سألتني عنه إلا لشيء. قال له: نعم يا خليفة رسول الله، فإني قد رأيت رؤيا: رأيتك تمشي بين الناس، فوق خرشفة بجبل، ثم أقبلت تمشي حتى صعدت قنة من القنان العالية (أي مكانًا مرتفعًا)، فأشرفت على الناس ومعك أصحابك، ثم إنك هبطت من تلك القنان إلى أرض سهلة، فيها زرع وقرى وحصون، فقلت للمسلمين: شنّوا الغارة على أعداء الله، وأنا ضامنٌ لكم الفتح والغنيمة. فشدّ المسلمون، وأنا فيهم ومعي راية، فتوجهت بهم إلى أهل قرية، فسألوني الأمان فأمنتهم، ثم جئتك فأجدك قد انتهيت إلى حصنٍ عظيم، ففتح الله لك، وألقوا إليك السلم، ووضع الله لك مجلسًا فجلست عليه، ثم قيل لك: يفتح الله عليك وتُنصر، فاشكر ربك واعمل بطاعته. ثم قرأت عليك سورة النصر: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر:1-3]، ثم انتبهت.فابتسم أبو بكر الصديق، وقال له: نامت عيناك، خيرًا رأيت، وخيرًا يكون إن شاء الله.
وقال له: بُشّرت بالفتح، ونعيت إليَّ نفسي، ثم دمعت عيناه، وقال: أما الخَرْشَفَة التي رأيتنا صعدنا عليها، فأشرفنا عليها إلى الناس: فإنّا نكابد من أمر هذا الجند والعدو مشقة ويكابدونه، ثم نعلو بعدُ ويعلو أمرنا؛ وأما نزولنا من القنة العالية إلى الأرض السهلة والزرع والعيون والقرى والحصون، فإنا ننزل إلى أمر أسهل مما كنا فيه من الخصب والمعاش وهو الشام. وأما قولي للمسلمين: شنوا على أعداء الله الغارة، فإني ضامن لكم الفتح والغنيمة؛ فإن ذلك دنوّ المسلمين إلى بلاد المشركين، وترغيبي إياهم على الجهاد والأجر والغنيمة التي تقسم لهم وقبولهم.
وأما الراية التي كانت معك، فتوجهت بها إلى قرية من قراهم ودخلتها، واستأمنوا فأمّنتهم فإنك تكون أحد أمراء المسلمين في فتح الشام، ويفتح الله على يديك. وأما الحصن الذي فتح الله لي، فهو ذلك الوجه الذي يفتح الله لي، وأما العرش الذي رأيتني عليه جالسًا فإن الله يرفعني ويضع ُالمشركين، قال الله تبارك وتعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} [يوسف:100].
وأما الذي أمرني بطاعة الله وقرأ عليَّ السورة فإنه نَعَى إليَّ نفسي، وذلك أنّ النبي نعى الله إليه نفسه حين نزلت هذه السورة، وعلم أن نفسه قد نُعيت إليه، ثم سالت عيناه فقال: لآمرنّ بالمعروف، ولأنهين عن المنكر، ولأجهدن فيمن ترك أمر الله، ولأجهزن الجنود إلى العادلين بالله (أي المشركين) في مشارق الأرض ومغاربها حتى يقولوا: الله أحدٌ أحد لا شريك له، أو يؤدّوا الجزية عن يد وهم صاغرون. هذا أمر الله وسنة رسول الله، فإذا توفاني الله لا يجدني الله عاجزًا ولا وانيًا ولا في ثواب المجاهدين زاهدًا؛ فعند ذلك أَمَّر الأمراء، وبدأ يُعدّ العُدَّة لبعث البعوث إلى الشام.

استشارة الصديق لأصحابه في غزو الشام

عقد الصديق مجلساً ضم كبار الصحابة مثل عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبا عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد، رضي الله عنهم وأرضاهم جميعًا.
فقال الصديق رضي الله عنه لهم:

إن الله لا تحُصى نعماؤه، ولا يبلغ جزاء الأعمال، فله الحمد، قد جمع الله كلمتكم وأصلح ذات بينكم، وهداكم إلى الإسلام، ونفى عنكم الشيطان، فليس يطمع أن تشركوا به، ولا تتخذوا إلهًا غيره، فالعرب اليوم أمة واحدة بنو أم وأب، وقد رأيت أن أستنفر المسلمين إلى جهاد الروم بالشام ليؤيد الله المسلمين، ويجعل الله كلمته هي العليا، مع أن للمسلمين في ذلك الحظ الوافر؛ لأنّه من هلك منهم هلك شهيدًا، وما عند الله خير للأبرار، ومن عاش عاش مدافعًا عن الدين مستوجبًا على الله ثواب المجاهدين.
ثم قال: هذا رأيي الذي رأيت، فأشيروا عليَّ. فقام عمر بن الخطاب فقال: الحمد لله الذي يخصّ بالخير من يشاء من خلقه، والله ما استبقنا إلى شيء من الخير قط إلا سبقتنا إليه {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم} [الحديد:21]، قد والله أردت لقاءك لهذا الرأي الذي رأيت، فما قُضِى أن يكون حتى ذكرتَه، فقد أصبتَ أصاب اللهُ بك سبيل الرشاد، سرِّبْ إليهم الخيل في إثر الخيل، وابعثْ الرجالَ بعد الرجال، والجنود تتبعها الجنود؛ فإن الله ناصر دينه، ومعزٌّ الإسلام وأهله، ومنجزٌ ما وعد رسوله.

وقام عبد الرحمن بن عوف فقال: يا خليفة رسول الله، إن الروم وبني الأصفر حدٌّ حديد وركنٌ شديد، والله ما أرى أن تُقحم الخيل عليهم إقحامًا، ولكن تبعث الخيل فتغير في أدنى الأرض؛ فتأخذ منهم وترهبهم ثم ترجع إليك، فإذا فعلوا ذلك بهم مرارًا أضروا بهم وغنموا من أدنى أرضهم، فقووا بذلك على عدوهم، ثم تبعث إلى أرضي أهل اليمن وأقاصي ربيعة ومضر ثم تجمعهم جميعًا إليك، فإن شئت بعد ذلك غزوتهم بنفسك، وإن شئت أغزيتهم. ثم سكت وسكت الناس.

فقال لهم أبو بكر: ماذا ترون يرحمكم الله؟ فقام عثمان بن عفان وقال: رأيي أنك ناصح مخلص لأهل هذا الدين، شفيق عليهم، فإذا رأيت رأيًا تراه لعامتهم صلاحًا فاعزم على إمضائه؛ فإنك غير ظَنِين ولا متهم.
وقام طلحة والزبير وسعد وأبو عبيدة وسعيد بن زيد ومن حضر ذلك المجلس من المهاجرين والأنصار فقالوا: صدق عثمان فيما قال، ما رأيت من رأي فأمضه، فإنا سامعون لك مطيعون، لا نخالف أمرك، ولا نتهمك، ولا نتخلف عن دعوتك.
فسأل أبو بكر علي رضي الله عنه: ماذا ترى يا أبا الحسن؟ فقال علي: أرى أنك مباركُ الأمر، ميمون النقيبة، وإن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم الجنود، نُصرت عليهم إن شاء الله.
فقال أبو بكر: بشرك الله بخير! ومن أين علمت هذا؟ قال: سمعت رسول الله يقول: "لا يزال هذا الدين ظاهرًا على كل من ناوأه حتى يقوم الدين وأهله ظاهرون".
فقال أبو بكر: سبحان الله! ما أحسنَ هذا الحديث! لقد سررتني به سرّك الله في الدنيا والآخرة, وهكذا قام المجلس على هذا الاتفاق بالخروج لحرب الروم.

عقد الألوية

جمع الصديق رضي الله عنه أهل المدينة ودعاهم للخروج لفتح الشام، فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص فعينه الصديق علي رأس سرية وأرسله إلى الشام ثم مالبث أن أخذ منه اللواء ودفعه إلى يزيد بن أبي سفيان وكان يزيد هو قائد الجيش الأول.
أرسل الصديق بعد ذلك إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الخروج إلى الشام وقتال الروم، فلبي أهل اليمن الدعوة وعقد أبو بكر اللواء الثاني ودفعه إلى شرحبيل بن حسنة واللواء الثالث إلى أبو عبيدة بن الجراح كما جعل القيادة العامة إلى أبو عبيدة.
ثم جاء أهل مكة إلى الصديق يعرضون عليه الخروج إلى الشام فعقد الصديق لهم اللواء الرابع وكان قائدهم عمر بن العاص.

معركة مؤاب وداثن

وصل يزيد إلى منطقة مؤاب وكان بها قوة عسكرية بيزنطية مكونة من ثلاثة آلاف مقاتل فهجم عليهم يزيد وهزمهم ففر البيزنطيين إلى قرية داثن فذهب ورائهم يزيد وقتل قائدهم وانتصر عليهم.

معركة مرج الصفر

كان خالد بن سعيد بن العاص قد توغل في أرض الشام ولم يؤمن ظهره فوجد الروم الفرصة لقتل السرية التي معه، فقطعوا عليه طريق العودة وهاجموه من الخلف وقتل من المسلمين الكثير وقد فر خالد من المعركة وقد قتل ابنه في هذه المعركة، إلا أن عكرمة بن أبي جهل وكان مع خالد بن سعيد في نفس الجيش استطاع الانسحاب بباقي الجيش.

استدعاء خالد من العراق إلى الشام

رأي الصديق أن الشام يحتاج إلى قيادة فذة لقتال الروم فأرسل إلى خالد بن الوليد في العراق يأمره بالمسير إلى الشام بنصف جيشه ويترك النصف الآخر مع المثني.
وبالفعل عبر خالد الصحراء القاحلة في خمسة أيام ووصل إلى الشام واستطاع فتح مدينة تدمر ومدينة بصري بعد أن هزم جيوش الروم المتواجدة هناك.

معركة أجنادين

تحرك خالد بعد ذلك إلى جنوب فلسطين إلى منطقة أجنادين وذلك لمساعدة جيش عمرو بن العاص حيث كان الروم يتتبعون جيش عمرو بن العاص وينتظرون الفرصة المناسبة للقضاء عليهم.
قام خالد رضي الله عنه بتوحيد الجيوش الإسلامية في جيش واحد بلغ ثلاثون ألفاً وهناك تقابل مع جيش الروم وكان تعداده سبعون ألفاً، وقد هاجمهم المسلمين وثبتوا لهم فنصرهم الله وانهزم الروم.

-------------------------------------------

* المصادر

- تاريخ الرسل والملوك الطبري

- الانشراح ورفع الضيق في سيرة الصديق

- تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية

- سيرة الخلفاء الراشدين من سير أعلام النبلاء



عن الكاتب

تاريخ ويب

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

تاريخ ويب