عثمان في ميادين الجهاد
شهد عثمان رضي الله عنه المشاهد كلها إلا غزوة بدر وهذه بعض مواقفه
1- غزوة بدر
لم يشارك رضي الله عنه في غزوة بدر وذلك أنه بعد أن تجهز للخروج مع الجيش أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقاء إلى جانب رقية رضي الله عنها لتمريضها لأنها كانت مريضة بمرض الحصبة ولزمت الفراش، في الوقت الذي دعا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج لملاقاة القافلة، وامتثل لهذا الأمر وبقي إلى جوار زوجته الصابرة الطاهرة رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ اشتد بها المرض، وجعل عثمان رضي الله عنه يرنو إليها من خلال دموعه، والحزن يعتصر قلبه. ودعت نبض الحياة وهي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ولم ترَ أباها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث كان ببدر، فلم يشهد دفنها صلى الله عليه وسلم، وجهزت رقية ثم حمل جثمانها الطاهر على الأعناق، حتى إذا بلغت الجنازة البقيع، دفنت رقية هناك، وسوى التراب على قبر رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيما هم عائدون إذ بزيد بن حارثة قد أقبل على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل المشركين وأسر أبطالهم، وبعد عودة الرسول صلى الله عليه وسلم علم بوفاة رقية رضي الله عنها فخرج إلى البقيع ووقف على قبر ابنته يدعو لها بالغفران.
لم يكن عثمان بن عفان رضي الله عنه ممن تخلفوا عن بدر لتقاعس منه أو هروب، كما يزعم أصحاب الأهواء ممن طعن عليه بتغيبه عن بدر، فهو لم يقصد مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وعثمان رضي الله عنه خرج فيمن خرج مع رسول الله فردَّه صلى الله عليه وسلم للقيام على ابنته، فكان في أجَلِّ فرض لطاعته لرسول الله وتخليفه، وقد ضرب له بسهمه وأجره فشاركهم في الغنيمة والفضل والأجر لطاعته الله ورسوله وانقياده لهما.
2-غزوة أحد
وفي غزوة أحد وبعد أن منح الله النصر للمسلمين في أول المعركة ولكن مال ميزان المعركة فجأة بسبب مخالفة الرماة لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم، فاضطرب أمر المسلمين اضطرابا شديدا، وانهزمت طائفة من المسلمين إلى قرب المدينة منهم عثمان بن عفان ولم يرجعوا حتى انفض القتال، وقد أنزل الله في هذه الفرقة قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155]، فلا مؤاخذة بعد ذلك على عثمان بن عفان رضي الله عنه، فيكفي أن الله عفا عنه بنص القرآن الكريم، وحياته الجهادية بمجموعها تشهد له على شجاعته.
3-بيعة الرضوان وصلح الحديبية
عندما نزل النبي صلى الله عليه وسلم الحديبية أراد إرسال مبعوث خاص لقريش يبلغهم أنه لم يأت لقتال وإنما جاء لأداء العمرة ووقع اختياره على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولكن عمر اعتذر عن ذلك قائلاً: إني أخاف قريشا على نفسي، قد عرفت عداوتي لها، وليس بها من بني عدي من يمنعني، وإن أحببت يا رسول الله دخلت عليهم, فلم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، ثم قال عمر: ولكن أدلك يا رسول الله على رجل أعز بمكة مني، وأكثر عشيرة وأمنع، عثمان بن عفان، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان رضي الله عنه فقال: "اذهب إلى قريش فخبرهم أنَّا لم نأتِ لقتال أحد، وإنما جئنا زوارًا لهذا البيت، معظمين لحرمته، معنا الهدي، ننحره وننصرف".
فخرج عثمان بن عفان رضي الله عنه حتى أتى مكة، فقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحب به وأجاره وقال: لا تقصر عن حاجتك، ثم نزل عن فرس كان عليه، فحمل عثمان على السرج وردفه وراءه، فدخل عثمان مكة فأتى أشرافهم رجلا رجلا؛ أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وغيرهما من لقي ببلدح، ومنهم من لقي بمكة، فجعلوا يردون عليه: إن محمدا لا يدخلها علينا أبدا.
وعرض المشركون على عثمان رضي الله عنه أن يطوف بالبيت فأبى، وقام عثمان بتبليغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المستضعفين بمكة وبشرهم بقرب الفرج والمخرج، وأخذ منهم رسالة شفهية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء فيها: اقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم منا السلام، إن الذي أنزله بالحديبية لقادر على أن يدخله بطن مكة.
وتسربت شائعة إلى المسلمين مفادها أن عثمان قُتل، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى مبايعته على قتال المشركين ومناجزتهم، فاستجاب الصحابة وبايعوه على الموت. وقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: "هذه يد عثمان"، فضرب بها على يده فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم وكان عدد الصحابة الذين أخذ منهم الرسول صلى الله عليه وسلم المبايعة تحت الشجرة ألف وأربعمائة صحابي. وقد تحدث القرآن الكريم عن أهل بيعة الرضوان، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10].
4-غزوة تبوك
وفي غزوة تبوك دعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى التبرع لتجهيز الجيش فسارع الصحابة بتلبية الدعوة وأعطي كل شخص قدر وسعه وكان ممن شارك في التبرع عثمان بن عفان رضي الله عنه وقام رضي الله عنه بتجهيز الجيش حتى لم يتركه بحاجة إلى خطام أو عقال.
يقول ابن شهاب الزهري: قدَّم عثمان لجيش العسرة في غزوة تبوك تسعمائة وأربعين بعيرا، وستين فرسا أتم بها الألف، وجاء عثمان إلى رسول الله في جيش العسرة بعشرة آلاف دينار صبها بين يديه، فجعل الرسول يقلبها بيده ويقول: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم" مرتين.
وعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنهما قال: جاء عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة، قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده ويقول: "ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم" يرددها مرارا.
لقد كان رضي الله عنه أكثر من أنفق علي الجيش في هذه الغزوة وذلك لأنها كانت في وقت شديد الحر وكان الصيف حارا يصهر الجبال، وكانت البلاد تعاني الجدب والعسرة، فإن قاوم المسلمون بإيمانهم وطأة الحر القاتل وخرجوا إلى الجهاد فوق الصحراء الملتهبة المتأججة فمن أين لهم العتاد، والنفقات التي يتطلبها الجهاد؟.

إرسال تعليق